ركائز التصحيح تبدأ من القاعدة
مهند محمود شوقي
ليس من العدل أن يُختزل العراق في ملفات الفساد، فهو بلد يمتلك من الثروات الطبيعية والبشرية ما يؤهله ليكون في مصاف الدول المتقدمة. لكن من الظلم أيضاً تجاهل حقيقة أن هذه الثروات تعرضت خلال أكثر من عقدين لاستنزاف كبير، ليس بسبب نقص الموارد، بل بسبب خلل في إدارة الدولة سمح للفساد بأن يتحول من حالات فردية إلى منظومة معقدة امتدت آثارها إلى مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والإدارية.
قبل أيام، أعلنت السلطات العراقية استرداد مليارات الدنانير من قضايا فساد، وهو تطور يستحق التقدير لأنه يعكس اتجاهاً نحو ملاحقة المال العام وإعادة الاعتبار لسيادة القانون. فكل دينار يعود إلى خزينة الدولة يعني مدرسة يمكن أن تُبنى، ومستشفى يمكن أن يُجهز، وطريقاً يمكن أن يُعبد، وفرصة عمل يمكن أن تتوفر لشاب ينتظر مستقبله.
لكن السؤال الذي طرحه العراقيون كان أكبر من قيمة الأموال المستردة نفسها: إذا كانت هذه هي الأموال التي تمكنت الدولة من الوصول إليها، فكم يبلغ حجم الأموال التي ما زالت بعيدة عن يد العدالة؟ وكم من الثروات التي خرجت من خزينة العراق تحولت إلى شركات، وعقارات، ومشاريع، واستثمارات داخل البلاد وخارجها، أو ما زالت محل تحقيقات لم تُحسم بعد؟
المشكلة لا تكمن في الأموال وحدها، بل في المنظومة التي سمحت بخروجها. فالفساد لا يولد من فراغ، ولا يصنعه شخص بمفرده، بل تنشئه بيئة تضعف فيها الرقابة، وتتراجع فيها المساءلة، وتُقدَّم فيها المصالح الضيقة على المصلحة العامة. لذلك، فإن استرداد الأموال يمثل خطوة مهمة، لكنه لن يكون كافياً إذا بقيت القواعد التي أنتجت الفساد على حالها.
الدستور العراقي وضع الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه دولة القانون. فالمادة (5) تؤكد أن السيادة للقانون وأن الشعب مصدر السلطات وشرعيتها، فيما تنص المادة (27) على أن للأموال العامة حرمة، وأن حمايتها واجب على كل مواطن. كما منح الدستور المؤسسات الرقابية والسلطات المختصة أدواراً واضحة في حماية المال العام ومساءلة المقصرين. وهذا يعني أن حماية ثروة العراق ليست مسؤولية القضاء وحده، ولا الحكومة وحدها، بل مسؤولية وطنية يشترك فيها الجميع.
غير أن التجارب أثبتت أن الفساد لا يعيش داخل المؤسسات الرسمية فقط، بل يبحث دائماً عن بيئة تحميه وتبرر وجوده. وعندما ينحرف بعض الإعلام عن رسالته الرقابية ليتحول إلى منصة لتلميع الفاسدين، أو تبتعد بعض منظمات المجتمع المدني عن استقلالها لتصبح جزءاً من شبكات المصالح، فإن معركة الإصلاح تصبح أكثر تعقيداً. وفي المقابل، يبقى الإعلام المهني الحر، ومنظمات المجتمع المدني المستقلة، شريكاً أساسياً في كشف الفساد وتعزيز الشفافية وحماية الرأي العام.
أخطر ما يفعله الفساد أنه لا يسرق المال العام فقط، بل يسرق ثقة المواطن بالدولة. فعندما يرى المواطن أن القانون لا يُطبق على الجميع، تتراجع ثقته بالمؤسسات، ويحل الإحباط محل الأمل. وحينها لا تكون الخسارة مالية فحسب، بل أخلاقية ووطنية، لأن الدول لا تنهار يوم تُسرق خزائنها، بل يوم يُسرق الإيمان بعدالتها.
تقارير منظمة الشفافية الدولية تشير منذ سنوات إلى التحديات الكبيرة التي يواجهها العراق في مكافحة الفساد، كما تؤكد تقارير البنك الدولي أن بناء مؤسسات قوية، وتعزيز الحوكمة، واستقلال القضاء، ورفع مستوى الشفافية، تمثل الطريق الأكثر فاعلية لحماية المال العام وتحقيق التنمية. وتجارب دول مثل سنغافورة وجورجيا أثبتت أن مكافحة الفساد لا تبدأ بكثرة الاعتقالات، بل بإغلاق الأبواب التي تسمح للفساد بالولادة.
لهذا، فإن ركائز التصحيح لا تبدأ من القمة، بل من القاعدة.
تبدأ بقضاء مستقل لا يخضع إلا للقانون، وإدارة تعتمد الكفاءة بدلاً من المحاصصة، ورقابة تمتلك الاستقلال والصلاحيات، وإعلام حر لا يساوم على الحقيقة، ومنظمات مجتمع مدني تؤدي دورها باستقلال ومسؤولية، وتعليم يرسخ قيم النزاهة والمواطنة، ومواطن يدرك أن صوته في الانتخابات أمانة، وأن حماية المال العام تبدأ برفض الرشوة والمحسوبية قبل المطالبة بمحاسبة الفاسدين.
العراق لا يحتاج إلى حلول مؤقتة بقدر ما يحتاج إلى إعادة بناء قواعد الدولة. فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد أوامر القبض، ولا بحجم الأموال المستردة، وإنما بقدرة الدولة على منع إنتاج الفساد من جديد. فالدول الناجحة لا تنتظر وقوع الجريمة كي تتحرك، بل تبني مؤسسات تجعل مخالفة القانون استثناءً لا قاعدة.
قد تستعيد الدولة مليارات الدنانير، لكن أعظم ما يمكن أن تستعيده هو ثقة مواطنيها. فالثقة هي رأس مال الدول، وإذا عادت، عاد معها الاستثمار، والاستقرار، وهيبة القانون، والأمل بمستقبل أفضل.
هناك فقط... تبدأ ركائز التصحيح من القاعدة، ويبدأ العراق باستعادة دولته، لا باستعادة أمواله فحسب.
