أزمة إيران وجنوب وغرب كردستان
حسين عمر
يصعب الاقتناع بالذريعة التي ساقها الرئيس الأمريكي لإيقافه أمر توجيه ضربةٍ انتقاميّة ضدّ إيران في أعقاب إسقاطها لطائرة تجسّس أمريكية مسيّرة. وبدل الحسابات الإنسانية التي جاهر بها ترامب، قد تكون هناك حسابات سياسية وعسكرية وأمنية تجريها المؤسسات الأمريكية تمنع ردّ فعلٍ قد يصعب حصره في ضربة انتقامية محدودة ويجرّ أمريكا إلى نزاعٍ عسكريٍّ موسّعٍ لم تقرّر أمريكا/الدولة خوضه الآن.
إتاحة الفرصة لحلٍّ سياسي؟
رغم التصعيد في التوتّر بين أمريكا وإيران، لا تتوانى قيادة البلدين في التأكيد على عدم رغبتهما في خوض الحرب، خاصّة وأنّ هناك محاولات وساطة من قبل دول أوروبية شريكة في الاتّفاق النووي مع إيران، وكذلك اليابان. لكنّ نجاح مساعي الحلّ مرهونة بالثمن الذي يمكن لإيران أن تدفعه من دون أن يتعرّض نظامها القائم إلى خطرٍ جدّي، سيما وأنّ قادة إيران يصرّحون بأنّ الشروط الأمريكية لحلّ الأزمة تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني من دون حرب. كما أنّ نجاح هذه المساعي مرهونٌ بحدود تراجع أمريكا في شروطها.
خصوصية الحالة الإيرانية
تختلف الحالة الإيرانية عن سواها من حالات المواجهة التي تعاملت معها أمريكا في منطقة الشرق الأوسط. عدا القوّة العسكرية الإيرانية، تطلّ إيران على مضيق هرمز وتتحكّم به، وهو المنفذ البحري الوحيد لثلاث دول خليجية (قطر، البحرين، الكويت) والعراق، ويُنقَل عبره 40%من النفط المنقول بحراً على مستوى العالم. كما تتواجد إيران عسكرياً، عبر أذرعها، في أربع دول في المنطقة (العراق، سوريا، لبنان، اليمن)، وتتشارك مع أمريكا في التواجد العسكري في اثنين منها (العراق وسوريا). وبالتالي، من الصعب على أمريكا أن تشنّ حرباً على إيران قبل اتّخاذ تدابير تضمن حماية هذا المعبر الحيوي لنقل النفط وعدم تعطيل حركة الملاحة التي تكفلها الاتفاقية الدولية لقانون البحار (30 ابريل 1982) في المادة 38 منها والتي تنصّ على أن « تتمتع جميع السفن العابرة للمضائق الدولية، بما فيها مضيق هرمز، بحق المرور دون أي عراقيل، سواء كانت هذه السفن أو الناقلات تجارية أو عسكرية». وكذلك اتّخاذ التدابير الكفيلة بتحصين القواعد والقوات الأمريكية في المنطقة، بل وحتى حلفائها في وجه أيّ هجمات إيرانية.
تحالف مُختَلف
لا شكّ أنّ أمريكا سوف تتحاشى شنّ هجوم منفرد على إيران. لكنّها ستواجه صعوبات حقيقية في تأمين تحالف تقليدي (شبيه بالذي تكوّن ضدّ العراق، مثلاً). إذ أنّ أربع دول دائمة عضوية في مجلس الأمن ترتبط مع إيران باتفاقية النووي، واستمرار هذه الاتفاقية يجعل من الصعب على أطرافها الانخراط في نزاعٍ عسكري إلى جانب أمريكا ضدّ إيران. ناهيكم عن أنّ الصين تُعدّ إحدى أوثق حلفاء إيران، وسيكون من الصعب ثنيها عن استخدام الفيتو في مجلس الأمن ضدّ أيّ قرارٍ يُجيز ضرب إيران. ولذلك تحتاج أمريكا إلى تحالف عسكري واقتصادي قد يكون مختلفاً عن سابقاته، وربّما تكون قوى إقليمية في المنطقة هي الأكثر حماسةً للانخراط فيه. وبالتوازي مع ذلك، قد تحتاج أمريكا إلى تهدئة صراعها في بعض الملفات وإشغال بعض خصومها في ملفّات دولية أخرى.
جنوب وغرب كردستان
لا شكّ أنّ جنوب كردستان وغربها من بين أكثر المناطق تأثّراً بالأزمة المستفحلة بين أمريكا وإيران. ففي كلٍّ من بغداد ودمشق نظامان مواليان لإيران، في حين أن جنوب كردستان وغربها حليفان لأمريكا. وعلى الرغم من حرص إقليم كردستان على تجنّب زجّ نفسه طرفاً في هذا الصراع، إلّا أنّه ليس من المستبعد أن تسعى إيران إلى الإضرار بالإقليم الحليف لأمريكا، سواءً عبر محاولة إقصاء عادل عبدالمهدي الذي يرتاح له الإقليم والإتيان بشخصية متشدّدة حيال الإقليم، أو محاولة زعزعة الوضع الداخلي في الإقليم باستخدام أطراف موالية لإيران، أو حتى عبر الخاصرة السورية. ولذلك، من المتوقّع أن تسلك قيادة الإقليم (خاصّة الديمقراطي الكردستاني، بكونه الحزب الأكبر في كردستان ويتولّى المسؤوليات المفتاحية من رئاسة ورئاسة الوزراء والبرلمان) في الأيام والأشهر المقبلة أقصى درجات الحذر والهدوء والصبر والتحمّل، خاصّة في الشأن الداخلي، لتفويت الفرصة على أيّ محاولة للعبث بوضع الإقليم. كما أنّه، ستكون هناك حاجة إلى تحصين الإدارة الذاتية في شرق الفرات، وربّما إعادة هيكلتها، بدعمٍ أمريكي، تجنّباً لأي استغلالٍ إقليمي في حال نشوب نزاعٍ في المنطقة.
مثلما يصعب الاقتناع بالذريعة التي ساقها الرئيس الأمريكي لإيقافه أمر توجيه ضربةٍ انتقاميّة ضدّ إيران، يصعب التكهّن بالمنحى الذي ستأخذه الإدارة الأمريكية في حسم أزمتها، لكنّ الواضح أنّ هذه الإدارة جادّة في حسمها، ولكنّ ربّما بأجندتها هي.
روداو
