السؤال المحرم والجواب المحظور.. هل يكره كورد سوريا الساروت؟
لا نكران أن سوريا مختلفة في لغات أهلها وتكوينهم الطائفي والعرقي لكن هذا الاختلاف ليس مدعاة لتأصيل الخلاف بين مكونات هذا البلد.
هل يعرف أي مكون سوري نفسه؟
لا!!!
إنه جواب حاسم.
فكيف يعرف من جهل نفسه المكون الآخر؟
تبدأ القصة عندما تسيد على الجميع سفاح قاتل فقهر الكل على الجهل والخوف والحذر...
وشاءت الأقدار أن يتمم الاصطفاف السياسي المحتقن بعد الثورة والذي استثمره النظام في ما بدأ النظام به أصلاً قبل عقود من تعميق التشظي البطيء فحصل له أن تمم مخططه وزاد.
بدأت سوريا جحيم التحطيم الطائفي والقومي بعد غيبة الوعي العام في حضور كابوس حزب البعث العربي الاشتراكي حيث تم حظر الحياة البرلمانية بعد سقوط تجربة الوحدة مع مصر، فسارت سوريا في نفق مظلم أفضى بها إلى شرارة حرب أهلية عام 1962.
واستفاد البعثيّون العسكريّون "الطائفة الأمنية" من الوضع، ليفرضوا إرادتهم داخل حزبهم وعلى المجتمع في آن، بدءاً من انقلاب 8 آذار 1963. ثم ليكشفوا شيئاً بعد شيء، بدءاً من 23 شباط 1966، عن الطابع الفئويّ، الأقلويّ، لسياساتهم، الاستئثارية بالسلطة، التي ستتخذ طابع ديكتاتوريّة فرد واحد، حافظ الأسد، ومعه أشقاؤه ثم أبناؤه، ابتداء من انقلاب "الحركة التصحيحية" في 16 تشرين الثاني 1970. في الستينيات من القرن الماضي، قامت مجموعة سريّة داخل الجيش السوريّ، تعتبره جيشاً انعزالياً غير قوميّ، وبرجوازياً غير اشتراكيّ، وتراتبياً غير ثوريّ. وارتأت استبداله بجيش قوميّ، تقدميّ، ثوريّ، يمكن أن يرفّع فيه المرء بشكل اعتباطيّ، وهو ما خبره حافظ الأسد عندما رفّع بسرعة قياسية عام 1963 من نقيب مسرّح إلى مقدّم إلى آمر قاعدة الضمير الجويّة، إلى آمر لسلاح الجوّ السوريّ، إلى لواء، ثم سيعود ويَخْبِره نجله بشّار الأسد بعد وفاة أبيه، عندما سيخلع عليه لقب فريق.
1962: الحرب الأهليّة المؤجّلة لم تفلح سوريا، بعد انفكاك دولة الوحدة مع مصر، في 28 أيلول 1961، وإعلان الجمهوريّة العربية السوريّة في اليوم التالي، في العودة مجدّداً إلى رحاب النظام ال ديمقراطيّ البرلمانيّ كما كان معمولاً به بين العامين 1954 (منذ سقوط ديكاتوريّة أديب الشيشكلي) و1958 (قيام الجمهوريّة العربية المتحدة على قاعدة إلغاء الحياة النيابية والتعدّدية الحزبية).
في أوّل الأمر، أعلن قادة الانفصال، وفي طليعتهم الكولونيل عبد الكريم النحلاوي، عودة الجيش إلى الثكنات، على أنّ يتكفّل في الوقت نفسه بالسهر على إعادة النظام الديمقراطيّ، وكذلك الحيلولة دون وقوع ال ديمقراطيّة في الفوضى أو انقلابها إلى ديكتاتوريّة واستبداد، راجياً من الساسة المدنيين عدم توريط الجيش في الوقت نفسه بانقساماتهم وخلافاتهم. لكنّ النحلاوي لن يتأخّر بعد أشهر قليلة من انتخابات كانون الأوّل 1961 في القيام بانقلاب جديد، في 28 آذار 1962، مستبقاً موجة متصاعدة من مناشدات المدنيين للعسكر بعدم التدخّل في الحياة السياسية. هذا الانقلاب افتُتِح ببلاغ حمل الرقم 26، للدلالة على أنّه تكملة للانقلاب الأوّل (مذكرات أكرم الحوراني). وقضى الانقلاب الجديد بحلّ المجلس النيابي لأنّه عجز عن القيام بالمهمة الموكولة اليه وسعى لتأمين مصالح أعضائه ومنافعهم الشخصية، وبإقالة حكومة معروف الدواليبي.
وخلافاً لتوقّعات النحلاوي، وضع الانقلاب الجديد سوريا على شفير حرب أهلية، وهو ما فسّره الفرنسيّ برنار فرنييه في دراسة له حول الدور السياسيّ للجيش السوريّ عام 1964، بأنّه يعود الى عدم رغبة الأقاليم السوريّة، الأخرى، التي غذّت فترة الوحدة مع مصر نزعتها اللامركزيّة، في الخضوع مجدّداً لسلطة دمشقية أحاديّة، علماً أنّ هناك كمّاً من التعليلات الأخرى تركّز على الدور المصريّ في دفع النحلاوي للقيام بخطوته، ثم في الإيقاع به.
وهكذا، أعلن العميد بدر الأعسر قائد المنطقة الوسطى في حمص، بعد ثلاثة أيام من الانقلاب مقاومته له، مطالباً بإجبار جماعة النحلاوي على مغادرة البلاد. أما في حلب، فتمرّد الضباط البعثيّون والناصريوّن بقيادة جاسم علوان، ورفعوا علم الجمهورية العربية المتحدة، غير أنّ سلاح المدّرعات انحاز إلى سلطة دمشق، ما مكّن من قمع الحركة. وفي ظروف كهذه، كانت الوحدة الوطنيّة مهدّدة، وكذلك وحدة الجيش.
انعقد مؤتمر عسكري عام في حمص في نيسان 1962، وطالب بإعادة الضبّاط المسرّحين منذ الانفصال. إلى الجيش، أي، بمعنى ما، إعادة ضبّاط الأقليّات المذهبية، لأنّ هؤلاء كانوا سرّحوا أكثر من سواهم، سواء في مرحلة الوحدة أو في مرحلة الانفصال، فكانت عودتهم بعد مؤتمر حمص بمثابة رّدة عكسيّة، أي الانتقال من جيش تستبعد منه الأقليّات، إلى جيش بصبغة أقلويّة (من دراسة للباحث اللبناني، وسام سعادة، نشرت في 02/25/2012).
بعد هذه التقدمة التاريخية التي تظهر سيادة العقل الأقلوي المتسلط وغياب الحياة البرلمانية والعمل تحت ما يسمى بالجيش العربي السوري على محاربة الحياة السياسية والتنظيمات المدنية وقهر التنوع... وكان في مقدمة المتضررين الشعب الكُردي السوري، الذي كابد سياسة النظام السوري العنصرية، منذ استولى حزب البعث على السلطة.
ففي عام 1966 استثنى قانون الإصلاح الزراعي الفلاحين الفقراء الكُرد من الاستفادة منه. وهذا ما اعترف به وزير الزراعة، خلال مناقشة القانون في مجلس الشعب، ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم، ما زال الشعب الكُردي السوري ضحية اضطهاد عنصري متعدد الأشكال، يبدأ بالاعتقال التعسفي، وينتهي بالقتل، مثلما حدث سنة 2005 للشيخ محمد معشوق الخزنوي، الذي اختطفته مخابرات النظام، وأعدمته دون محاكمة، مدعية بكل صفاقة، بأن مجهولين خطفوه ثم قتلوه، وألقوا بجثته على قارعة الطريق.
وفي 23 أغسطس/ آب من عام 1962 جرّد النظام السوري بالمرسوم رقم 93 أكثر من 150 ألف مواطن كُردي سوري من جنسيتهم، خلافاً لاتفاقيات حماية حقوق الأقليات وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ثم تبعه مرسوم آخر عام 1966 ينشئ الحزام العربي، بتوطين العرب بدلاً من الكُرد، في منطقة الحسكة، حيث تمَّ البدء بالحزام المذكور في 24 حزيران 1974 ، ووزعت الأراضي على أعداد غفيرة من العشائر العربية في منطقة الجزيرة، تنفيذاً لهذه السياسة العنصرية. ثم صدر مؤخراً خطاب وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي رقم 1682 في شباط/ فبراير 2007 بانشاء الحزام العربي الجديد، والغاية منه الفصل بين الكُرد في سوريا والكُرد في كردستان العراق وذلك بإسكان 151 عائلة عربية على أراضي الكُرد، وهي سياسة تطهير عرقي واضحة.
وبدلاً من أن يتجه النظام إلى حل مشكلة الكُرد، بالاعتراف لهم بحقوق المواطنة كاملة، ومنها الحق في بطاقة الهوية، وفي جواز السفر، والحق في التنقل وغيرها من الحقوق الأساسية، واصل سياسته العدوانية التي تزداد سوءاً على سوء، منذ حوالي 44 عاماً.
التنوع مجلبة للتكامل وليس قنطرة للتفاضل.
ألمح الحكيم الغزالي (السبت 5 ذو الحجة 1335 هـ/ 22 سبتمبر 1917م - السبت 20 شوال 1416 هـ/ 9 مارس 1996م) إلى أن هذا الاختلاف في تركيبة سكان البلد كاختلاف ألوان الورد في البستان أو اختلاف الأزياء التي يرتديها الشخص.
الزمن بعد الثورة...
لكن الماكينة السياسية المحلية و العالمية الشقية انتصرت على وحدة الشعب وحولت شرائحه من السَّكينة المتبادلة إلى السكاكين المتناحرة ومن فضاء التلاقي الواسع إلى عنق الزجاجة الخانق...
جهل ذاتي وخوف من الآخر وعيش في ظل الرعب وتباطؤ في التغيير أفضى إلى تحويل سوريا في غالبها إلى بيادق مأمورة وبنادق مأجورة.
دفعت حالات الارتزاق السياسي بالمعارضة إلى مواقف لم ترتفع بأهداف الشعب ولم تنجح في بيان عميق الصلة بين المكونات والاهتمام بذوق ومزاج واختيار الشعب وتقليص حالات التوتر والهوى الحارق ومحاصرة الشرور والرذائل وبحكم تبعية النظام والمعارضة إلى مال الممول.
لقد تم شرعنة الحرام الذي لا يخدم سوريا بل يهزم كل خير.
الساروت والكورد
وتتجلى حالات الارتزاق والاصفاف والجهل من خلال ما حصل مؤخراً من ضرب وتهجم وتشويه واختلاق قام به غالب المكون الكوردي على الشهيد الساروت يرحمه الله تعالى وغفر الله له.
لقد اتهم الكثيرون من الكورد بأن الساروت كان من سراق الدجاج العفريني وأنه شارك في غزو عفرين. وهذا الاختلاق الموهوم يعود للكبائر التي ارتكبتها فصائل من الجيش الحر أثناء غزو عفرين وتشتيت أهلها والنزو على ممتلكاتهم.
مع أن الساروت لم يكن مشاركاً في عفرين ومع أن الساروت لم يكن سارقاً والسرقة في أبسط تعريفاتها إجابة احتياج لفاقة.
فهل كان الساروت يستجيب لما كان يعيشه من فقر بانتهاك حرمة الوطن أو في قومية فيه؟
الجواب قطعاً لا.
وهنا يكمن الخطر كل الخطر ما هو وراء موقف الكورد من الاتهام للساروت الشهيد البطل مع أنه لم يبارك دخول عفرين ولم يكن ممن شارك بأي عمل عسكري فيها فلماذا كل هذا الكذب من بعض الكورد...
ومع أن ظلم الساروت لا ينصر قضية للكورد ولا يمس الساروت بأي أذى فهو قد أفضى إلى ربه فما سبب رمادية الزيف الذي غشي عيون الكثيرين من الكورد ولماذا ظلية اللامعنى من مواقف الكثيرين من الكورد؟
تظهر هذه التساؤلات لحماية بلدنا وحماية داخلنا كي لا يتآكل جوهرنا كي لا يتراكم عليه الصدأ وسوء ما كنا نتصوره.
المؤثرات السياسية التي أوجدت منا ذلك الإنسان التكفيري هي من دفعت الكثيرين من الكورد لعدم مشاركة الآخرين الحزن بالساروت.
لم يقف أي معارض سياسي أو عسكري ليقول ما حصل في عفرين أسهم في فصل الكورد عن سوريا تماماً، من هو وراء ذلك الفصل، ولماذا تم، وعلى يد من، وكشفت تقارير دولية عديدة أن سكان عفرين تعرضوا للقتل والتهجير والنهب والاختطاف والابتزاز على يد الفصائل التابعة لتركيا، وسط اتهامات للأخيرة برعاية هذه الممارسات وغض النظر عنها.
وأكدت منظمة (هيومن رايتس ووتش) في تقريرها السنوي، مطلع العام الجاري، مقتل عشرات المدنيين وتشريد عشرات الآلاف منهم على يد الجيش التركي والفصائل المسلحة في تلك المناطق.
وتسببت العملية التركية بتهجير أكثر من 350 ألف شخص من أبناء عفرين، وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان.
وتزامنت عملية تهجير السكان الكرد من عفرين مع استقدام المئات من عائلات مسلحي المعارضة في الغوطة الشرقية ومناطق أخرى إلى عفرين وتوطينهم في منازل الأهالي، وهو ما أكده تقرير (هيومن رايتس ووتش) الصادر في حزيران/ يونيو الماضي.
كما وثق المرصد السوري، مطلع كانون الثاني/ يناير الماضي، اختطاف واعتقال أكثر من 2600 من أبناء عفرين على يد فصائل المعارضة والجيش التركي.
في السياق، كشفت منظمة العفو الدولية في تقرير صدر في آب/ أغسطس الماضي، عن مجموعة واسعة من الانتهاكات بحق أهالي عفرين، وصلت إلى حد وصفها بجرائم قد ترقى إلى جرائم حرب.
ولم تحمّل الحكومة التركية نفسها عناء الرد على هذه التقارير الدولية أو الاعتراف بحجم الانتهاكات المرتكبة بحق سكان عفرين.
ولا تزال معاناة سكان عفرين مستمرة منذ عام، في ظل صمت دولي مطبق، على الرغم من بعض المواقف الخجولة لعدة دول غربية، يرى سكان عفرين أنها لا ترقى إلى حجم الكارثة التي حلت بهم.
كارثة عفرين جففت عواطف الكثيرين من الكورد وصمت كبار المعارضة (باسثناء شخصيات محدودة كالاستاذ معاذ الخطيب) خلق حالة احتقان عامة عند الكورد.
إن الواقع السياسي يفرض علينا العودة إلى ما هو أهم من أجندة السياسي. يقول نيتشه في المرحلة الأولى من عمر الإنسانية الراقية تكون المزية الأكثر تميزاً هي الشجاعة، في المرحلة الثانية تكون العدل، وفي الثالثة الاعتدال، وفي الرابعة الحكمة.
ترى في أي مرحلة تقف المعارضة؟ وفي أي مرحلة يقف الشعب الكوردي؟ وأين جميعنا من هذه المراحل؟ العلاقة بين العرب والكورد في الغالب أحدهما يدعي أنه الإطار المكره والآخر يغدو الذاكرة السوداء أحدهما الشاهد والآخر هو النقيض المتهم بكسر الهاء، أو المتهم بفتح الهاء، وهكذا تدوم العلاقة بين طرفين المنتصر فيهما منكسر.
سوريا المتشظية المتناثرة بين ثنايا الهوامش القاتلة حيث أصبح كل شيء غابة وغلبة وغاية وحرام والسوري هو السبيل الممتهن لبلوغ أي هدف.
من المتوجب على المعارضة السورية التوقف عن فصل الكورد عنهم وتبني خطاب المصلحة والمصالحة معهم وأولهم رد حقوق أهالي عفرين وفك ارتباط عفرين بالآلة العسكرية التركية.
السوري إذا قُيم من خلال الراهن فإنه ذلك الركام المتحطم، هو حصيلة ما فعله بيده وما فعلته به الرايات السياسية بصورتيها المعارضة والنظام.
كيف نقي أنفسنا من العقد والأوهام كيف لا نمسخ إنسانيتنا؟
الحاصل من موضوعنا أن السالب والمسلوب واحد والمتضرر هو ذات الشعب والسبب الرئيس خلف ذلك هو الوهم والغفلة والاستحمار؟
وقبل أن تتهم المعارضة السورية الكورد بانهم من الانفصاليين فلتراجع المعارضة موقفها من الكورد وأحزابهم وقبل أن يستهجن المعارضون السوريون موقف الكورد غير العادل في الغالب من الساروت، فليراجعوا موقفهم من شهداء الكورد في عفرين والذين يقدرون حسب بعض الروايات بـ2400 شهيد عفريني سقطوا أثناء غزو عفرين...
الساروت ليس مكروهاً عند الكورد، ولكن الساروت يرحمه الله يدفع ضريبة صمت المعارضة واحتقان الكورد وعجز الشعب عن استعادة سكنه. هذه سوريا، فكيفما نكون تكون وليس غير ذلك.
روداو
