• Monday, 02 February 2026
logo

إيران وحيدة وبحاجة إلى مناورة

 إيران وحيدة وبحاجة إلى مناورة
صادق المالكي*





الموقف الإيراني من التوتر مع واشنطن واضح، فإيران لا تريد الحرب ولا تريد التفاوض. لكنها لا تستطيع بمفردها أن تسيطر وتدير جميع أطراف هذا التوتر، ويعتبر معجزة أن تتمكن إيران بدون التفاوض أن تنأى بنفسها عن الحرب.

أمريكا، كأية دولة أخرى، تفكر في مصالحها وتلعب حسابات المكسب والخسارة دوراً رئيساً في عملية اتخاذ القرار الأمريكية، فإن كنا نظن بأن أمريكا حركت تلك القوة العسكرية الضخمة بدون حسابات، وتصدر بيانات متناقضة عن الحرب والسلم جزافاً، فإننا نكون قد تورطنا في نكتة سيئة قد تسفر عن مأساة.

ويمكن أن نعد خطوات من قبيل سحب الكادر الحكومي غير الضروري وإنذار القوات الأمريكية لتتخذ حالة التأهب، والتعليق الموقت للتدريبات العسكرية من جانب ألمانيا وهولندا بطلب من التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، مناورة أمريكية لدفع إيران باتجاه قبول التفاوض، فعلينا إن لم تنجح هذه الخطوات أن ننتظر حرباً محدودة.

تستطيع إيران في هذه الأزمة أن تقول إنها لا تريد الحرب ولا التفاوض، لكنها لن تستطيع أن تقرر ما على الطرف الآخر أن يفعل. لهذا، يجب تقييم الأزمة بحذر، للتوصل إلى أفضل حل ممكن.

ليس من المنطق توقع تخلي إيران عن برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية ونفوذها الإقليمي في الشرق الأوسط. ففي تلك الحالة، يمكن أن يهاجم صدام حسين آخر إيران وتلقي الحرب بظلالها على إيران. في ظل ظروف مستقرة وسلمية يسودها منطق الحوار، يمكن لشرق أوسط قوي ومن خلال موازنة القوى، أن يخرج من الأزمة بسلام. فهذه الأزمة إن لم تُلجم ستؤدي إلى نتائج غير مرغوبة. فبعد ثمانية أعوام من حرب مدمرة مع العراق في ثمانينات القرن الماضي، بات من الواضح أن إيران كسائر دول المنطقة لا تريد الحرب. لكن ذلك لا يعني أن تستسلم إيران وتسمح باستصغارها.

استطاع الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، تحسين الأوضاع الاقتصادية لأمريكا، لكن السياسة التي انتهجها تجاه إيران، ألحقت الضرر بأمريكا، ويمكن لاستمرار خطوات ترمب هذه أن تلحق ضرراً كبيراً بادعاء أمريكا قيادة العالم. فقد أدى انهيار الشيوعية إلى لفت الأنظار عن الغول الرأسمالي اللاإنساني، لكن منذ أن تولى ترمب السلطة في أمريكا، انكشف للعالم من جديد الوجه الحقيقي للإمبريالية.

لم ترد بروكسل ولا بكين ولا موسكو حتى الآن الرد المتوقع على غطرسة االبيت الأبيض، ولا شك أنهم ربما سجلوا التحركات الأمريكية عندهم وسيكون لهم رد فعلهم عليها في وقته وفي محله، وهنا من المهم أن نتذكر بأنه لا يمكن أن نعتبر رد فعلهم على التصرفات الأمريكية الغريبة متعلقاً بإيران، وكان هذا واضحاً جداً عندما قامت إيران بتعليق جزء من إلتزاماتها في إطار الاتفاق النووي، حيث لم تكتف الصين والدول الأوروبية الثلاث وروسيا بعدم مساندة إيران، بل انتقدت قرارها ذاك.

وهكذا يبدو أن أمريكا هي المتسبب الرئيس في الأزمة الحالية مع إيران، والانسحاب من الاتفاق النووي، تسمية حرس الثورة الإسلامية بالمنظمة الإرهابية، فرض العقوبات، السعي لتصفير صادرات النفط الإيرانية والعقوبات المفروضة على قطاع المعادن الإيراني، كلها أجزاء من سياسة "منتهى الضغط"، لإجبار إيران على الاستسلام أو الدخول في حرب ممكنة.

من الواضح تماماً للمجتمع الدولي، أننا في إيران لا نريد الحرب بل أن أمريكا هي التي تبحث عن صدام، فقد استهدف خطاب ترمب وتصرفاته السياسية إيران، وإذا راعينا خطاب الرئيس فلاديمير بوتن بخصوص بقاء الاتفاق النووي الإيراني، عندما قال إن روسيا ليست رجل إطفاء، سيتضح لنا أن على إيران أن تصمد في وجه تلك الغطرسة، وأن تدفع وحدها نيابة عن كل العالم ضريبة تصرفات ترمب التي تهدد النظام والاستقرار العالميين.

يجب أن تتجنب إيران فخاخ ترمب وأتباعه المعروفين وغير المعروفين، ويجب أن تختار طهران لغة تعبر عن مواقف سلمية، يفهمها ترمب. ربما حينها ستتغير ظروف اللعبة وتتحول تهديدات اليوم إلى فرصة في الغد.











روداو
Top