• Monday, 02 February 2026
logo

شرق الفرات.. افتراق الأجندات

شرق الفرات.. افتراق الأجندات
حسين عمر




مظاهرات ريف دير الزور:
منذ 23 إبريل/نيسان، تشهد بعض بلدات وقرى ريف شرق الفرات من محافظة دير الزور احتجاجات ظاهرها مطلبي، ولكن جوهرها سياسي. تبدّى هذا الجوهر من خلال المطالب التي ناقشها "ممثلو" المحتجين مع مسؤولين أمريكيين في قاعدة حقل العمر، وقبل ذلك، مع ممثلين عن قوات سوريا الديمقراطية. من بين أبرز تلك المطالب: إنهاء دور الكوادر "المقصود كوادر حزب العمال الكوردستاني" في المجالس المحلية، وتفعيل دور قادة "قسد" من أبناء المنطقة. المعنى الحقيقي لهذه المطالب هو إنهاء دور، بل ووجود الجناحين السياسي والعسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي في المناطق العربية، التي يعتبر سكّانها الحزب المذكور حزب عبدالله أوجلان.

رسائل الاحتجاجات:
أكثر ما يُلفت الانتباه في تلك الاحتجاجات، رفع أعلام أمريكية، إلى جانب شعارات معادية لحزب الاتحاد الديمقراطي ونعته بالإرهاب. لا يحتاج هذ إلى إجهادٍ للفكر ليستنتج المرء أنّ في هذا رسالتين، الأولى لأمريكا في إشعارٍ بأنّ المجتمع المحلي لا يحتجّ على الوجود الأمريكي وإنّما على حليفها الكوردي، أمّا الثانية فهي موجّهة إلى تركيا في تناغمٍ معها على معزوفة توصيف الاتحاد الديمقراطي على أنّه جزء من العمال الكوردستاني، وتصنيفه إرهابياً.

تبدّل الأولويات:
كانت الحرب الميدانية على داعش بقيادة التحالف الدولي توحّد أولوية المكوّنات المؤتلفة في صفوف قوات "قسد"، ولكن، في مرحلة ما بعد إنهاء خلافة داعش، ستتبدّل أولويات هذه المكونات. الآن، يسعى المكون العربي في "قسد" إلى ربط العلاقة مباشرة مع أمريكا دون وسيط أو ما يعتبره الوصي الكوردي، بل وإخراج اللاعب الكوردي من مناطقه، يستغل في ذلك بيئة مجتمعية لافظة للدور الكوردي وضغوط إقليمية، وتحديداً تركية في نفس الاتجاه. التحركات الاحتجاجية في بعض الريف الديري تأتي في جوهرها في هذا السياق. مع وجود أكثر من طرف يستغلها.

الدور الأمريكي:
تنبّه الأمريكان مبكّراً إلى الحساسية العربية من تنامي قوّة وحدات حماية الشعب "الكوردية" على تخوم المناطق العربية أوّلاً، ومن ثمّ الولوج إلى هذه المناطق، فعمدت أمريكا إلى تنظيم قوات عربية "في ظلّ وحدات الحماية"، لتفرض لاحقاً تشكيل قوات سوريا الديمقراطية "قسد" كغطاء بات يغطي تدريجياً على الوحدات. وفي نفس السياق، نفّذت أمريكا مشروع مجلس سوريا الديمقراطية لإخفاء حزب الاتحاد الديمقراطي في جوفه، وتأطير جزء من المكوّن العربي فيه. وكان هذا جوهر مشروع مجلس سوريا الديمقراطية، والتحاق أحزاب ومجموعات كوردية هامشية به ليس، في الحقيقة، سوى تزيين شكلي لدواعي المنافسة بين قطبي الحركة الحزبية الكوردية "الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني". وقد استُكملت هاتين الخطوتين الأمريكيتين بتشكيل حزب سوريا المستقبل وإرغام الإدارة الذاتية على رفع غرب كوردستان من اسمها وإلغاء مطلب الفيدرالية.

الآن، في ظلّ العامل التركي في الحسابات الأمريكية، وإمكانية تقديم تركيا لتنازلات في ملفّ التسلّح وغيره لأمريكا، وتحسّب أمريكا لردّة فعل المكوّن العربي في شرق الفرات، وإمكانية استثمار فصائل من هذا المكوّن حتى في استهداف الوجود الأمريكي في المنطقة "لا بدّ من التذكير بنموذج غرب العراق مع التواجد الأمريكي بعد إسقاط نظام صدّام"، وغنى الريف الديري في شرق الفرات بالنفط والغاز، سيكون من الممكن للمكوّن العربي أن يحصل على مكاسب من أمريكا على حساب الدور الكوردي في تلك المنطقة.

شحّ الخيارات:
لم يُسعف حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب والمرأة لا التضحيات الجسيمة المقدّمة في سبيل تحرير تلك المناطق من داعش، ولا الحرص على إظهار التعامل الإنساني "المُبالَغ فيه أحياناً" مع سكان مناطق الحرب، بل وحتى مع أسرى وأُسر تنظيم داعش، ليحظى بالقبول في تلك الحاضنة المجتمعية. في ظلّ هذه المعطيات، الخيارات أمام حزب الاتحاد الديمقراطي شحيحة، وهي أصلاً مرهونة بالإرادة الدولية والإقليمية.










روداو
Top