الثقافة والأدب سبيلنا نحو السلام
لا يخفى على القاصي والداني، النضال المرير الذي خاضه الكورد على مدار عقود طويلة، وفي زحمة هذا النضال مرّت القضية الكوردية في الكثير من المطبات والهزائم، يتحمل الكثير من الساسة الكورد المسؤولية عن هذا الفشل، لأن القائمين على القضية كانوا وعلى مدار الزمن يخوضون المعركة على جبهتين لا ثالث لهما، الجبهة السياسية والعسكرية، وبطرق تقليدية جداً.
ورغم أن الكورد يمتلكون حضارة عريقة، وتاريخ مشبع، وثقافة عميقة، إلا أن الساسة لم يتعاملوا مع هذه الحضارة والثقافة ويطوّعوها لصالح القضية، وبرهان ذلك أننا قليلاً ما نجد مناصرين للقضية الكوردية وحقوق الشعب الكوردي وتاريخه ونضاله من الشعوب الأخرى، أو ربما خُلقت عداوة غير مبررة ضد الكورد، لا لشيء، وإنما لفشلنا في الوصول إلى المنابر الإعلامية فيما وصل آخرون إليها.
والمشكلة هنا ليست في الإمكانيات المادية، فملايين الدولارات صرفت على العملية السياسية والعسكرية، ومئات الآلاف من الشهداء وعشرات الثورات، والقضية الكوردية لم تخرج من الدائرة التي وضعت فيها!!.
القضية الكوردية بحاجة إلى حاضنة ومناصرة من الشعوب الأخرى، وإلى الآن فشلنا في تصدير القضية وكسب مناصرين وأصدقاء من الشعوب الأخرى، وفي المقابل هناك آلة إعلامية من الحكومات الإقصائية والعنصرية التي شوهت ولا تزال تشوه القضية الكوردية.
في أكثر من مرة صرّحت بأن الثقافة وسيلة راقية للتقارب بين الشعوب، وجسر يمكننا العبور من خلاله إلى كافة الأعراق، ويمكننا أن نلتقي مع غيرنا ونتعرف عليهم ويتعرفوا على ثقافتنا، بعكس السياسة تماماً، فالثقافة تقرب وتوحد والسياسة تفرق بين الجميع.
ومن هذا الإيمان كانت انطلاقتي في روايتي قصة حب في قلب معركة، عن الانتفاضة الكوردية في عام 2004 ضد نظام البعث في سوريا، وكنت قد كتبت في مطلع روايتي أنها موجهة إلى القارىء العربي والتركي والفارسي، قبل القارىء الكوردي، وأن تكون رسالة سلام ومحبة.
وأشير هنا إلى أن رواية ممو زين كانت سبباً في تكوين هذا الإيمان عندي، ففي رواية ممو زين بنسختها العربية للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، وصلت قصة حب من التراث الكوردي إلى القارئ العربي، ولفظ مصطلح كوردستان برحابة صدر، في زمن كان يمنع التلفظ باسم كوردستان، وحتى في أيامنا هذه هناك من لا يحب أن يسمع اسم كوردستان ويعادي هذا الاسم.
وأذكر أيضاً أن شاعر العرب الأول، محمد مهدي الجواهري، نظم قصيدة طويلة بعنوان "كوردستان"، وتداولها مئات بل آلاف العرب، ومثله الشاعر الراحل، محمود درويش، في قصيدتين خالدتين عن كوردستان والكورد، ولم تزل هذه القصائد تسمع ويستشهد بها في المحافل الثقافية وعند كل مناسبة.
والكثير ممن قرأوا رواية قصة حب في قلب معركة، أخبروني بأن الرواية كانت سبباً في البحث عن تاريخ الكورد، ولامست ذلك بنفسي من خلال مناقشات جرت، لأنني ذكرت بخطوط عريضة بعض الأحداث من التاريخ الكوردي، وكانت هذه الخطوط سبباً كبيراً في دفع الكثيرين إلى البحث عنها وأن يتعمقوا أكثر في التاريخ الكوردي.
هذا البحث بعد قراءة الرواية عن تاريخ الكورد كان له أثر نفسي كبير، وولّد فخراً واعتزازاً بداخلي، وكان دعماً معنوياً لي ولله الحمد، ما وصلت إليه الرواية، جميل، وإن كان مشروعي أكبر من ذلك، كنت حين شرعت بكتابتها أنوي تضمين الشعر الكوردي باللغة الكوردية في الرواية، ولكن حال دون ذلك إمكانياتي المتواضعة وعدم وجود دعم، سوى ما أدعم به شخصياً مشروعي الخاص، لذلك خرجت الرواية على ما هي عليه الآن.
وهنا، أوجه عتبي الأكبر إلى حكومة كوردستان العراق، لعدم وجود مشروع كهذا حتى الآن، كما أن هناك تقصيراً كبيراً في هذا الاتجاه، فلا مخصصات في ميزانية الحكومة للجانب الثقافي، كما هو الحال في الجانبين العسكري والسياسي، فالجبهة الثقافية لا تقل أهمية ومكانة من الجبهتين العسكرية والسياسية.
وفي نهاية هذا المقال، أتمنى أن تلامس مناشدتي مسامع الزعيم مسعود البرزاني، لما أعرف عن اهتمامه بالثقافة والأدب الكوردي، وأتمنى أن يعطي حيزاً أكبر للجانب الثقافي من خلال مشروع كبير على قدر كبر القضية الكوردية، فالثقافة والأدب سبيلنا نحو الحرية والسلام معاً.
روداو
