موسم تهاوي الدكتاتوريات
في الميثولوجيا الكوردية، وقسم من شعوب المنطقة، يعتبر فصل الربيع، إلى جانب بداية جديدة وانتعاش للطبيعة، رمزاً لسقوط الديكتاتورية والظلم ولخلاص الشعوب.
القرن الحادي والعشرون، هو قرن سقوط دكتاتوريات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقد بدأت سلسلة سقوط دكتاتوريات المنطقة بسقوط نظام صدام حسين في 9 نيسان 2003، وفي العقد الثاني من هذا القرن، بدأ فصل تهاوي دكتاتوريات المنطقة، الذي عرف بالربيع العربي، يتسارع.
بدأت هذه الموجة من تونس، ثم شملت مصر فليبيا فاليمن والبحرين وسوريا. لكن الحكومات الدكتاتورية مازالت قائمة في قسم من دول المنطقة، لذا فإن الموجة لم تتوقف، وهي مستمرة.
وفي آخر محاولات فك هذه الأحجية سقط في نيسان هذا العام كل من بوتفليقة في الجزائر وعمر البشير في السودان في مهب الغضب الجماهيري الذي لف سجل سلطتيهما.
النقطة المشتركة بين دكتاتوريات الشرق هي أنها لا تنصت لصوت الشعب، أو تنصت إليها بعد خراب البصرة وانقضاء الأمر، وكان الرئيس التونسي الأسبق، الحبيب بورقيبة، قد قال: نحن في الشرق نحب عدم الإنصات ونفضل عدم الإنصات لأصوات التغيير في العالم، لأن الإنصات إلى تلك الأصوات يوجب أعمالاً صعبة ومزعجة علينا.
في 16 كانون الثاني 1979، وقبل السقوط النهائي لنظامه بشهر واحد، قال شاه إيران في خطاب وجهه لشعب إيران: "أنا أيضاً سمعت رسالة ثورتكم"، كذلك فعل الرئيس التونسي السابق، زين العابدين بن علي، في خطاب له بتاريخ 13 كانون الثاني 2011 عندما قال: "لقد أدركت قصدكم، نعم أدركت ما تقولون، العاطلون عن العمل، الفقراء، السياسيون والجميع يريدون المزيد من الحرية، لقد فهمت ما تريدون جميعاً"، وقال الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك في كلمة له في 10 شباط 2011: "أتوجه إليكم يا شباب مصر الحاضرين في ميدان التحرير... وأتحدث إليكم بكلام نابع من القلب، بكلام أب لأبنائه وبناته... وأقول لكم إن ردي على صوتكم ورسالتكم ومطالبكم هو تعهد لا رجعة فيه"، لكن كل ذلك الإنصات كان في حكم عدم الإنصات ولم يسعف الدكتاتوريات تلك.
بدأ القرن الحادي والعشرون في الشرق الأوسط بسقوط أخطر دكتاتوري المنطقة، أقصد صدام حسين، ورغم أن الثورات الجماهيرية للربيع العربي حرفت عن مساراتها ولم تحقق أهدافها الحقيقية، لكن هذا ليس نهاية القصة. إن تطور المجتمعات الشرقية هو أشبه بمحاولات رضيع للوقوف على قدميه، وسقوطه ثم قيامه مئات المرات قبل أن يخطو خطوته الأولى، وخطوات الشرق هذه هي نفس الحالة وهي جزء من حبو الديمقراطية، التي تتعثر مراراً قبل أن تتقدم وتنمو، لكن أهميتها تكمن في أنها مستمرة.
في نفس الوقت، بدأ الاتجاه الثالث وهو اتجاه المواطنين ينمو ويقف على قدميه، وهو بداية لمرحلة وعي المواطنين ونشاطهم في مواجهة الأحداث ومستقبل البلاد. يعتقد هنتنغتن أن الربيع العربي هو الموجة الرابعة للديمقراطية ومركزها الشرق الأوسط. هذه المنطقة التي يحكمها منذ عقود مجموعة متسلطين فرديين هم سبب الأزمات والمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ألمّت بهذه البلدان.
كانت شوارع مدن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في السنوات الماضية، منصات لعرض الغضب المكبوت لأبناء بلدان المنطقة، وساحة للنضال المدني والسلمي للشعب من أجل تحقيق أهدافهم المشروعة، بدءاً بتغيير الأنظمة الفاسدة والمتسلطة ووصولاً إلى المطالب الاقتصادية والاجتماعية و... المشروعة، وهذا يبين حقيقة إدراك أبناء المنطقة أهمية الشارع كمكان لممارسة الكفاح المدني وإرغام الديكتاتوريات الصماء واتخذوا من الشارع خندقاً للتغيير في أوطانهم.
ورغم عدم وضوح ماهية التغييرات التي جرت خلال الأيام الأخيرة في الجزائر والسودان، يبدو أن الدولة العميقة السرية في الدولتين بإدارة السعودية ومصر والإمارات تسعى للتأثير على مسار التغيير والسيطرة عليه من خلال العسكر، لكن الذي يبعث على الارتياح هو أن الجماهير الواعية لن تخلي الساحة بسهولة ولن تقتنع بما اتخذ من خطوات.
العبرة التي يمكن أن نستخلصها من موجة الربيع العربي المتواصلة هي أن تراكم المطالب الشعبية سيؤدي بالمجتمع إلى مرحلة الانفجار، ولن تعود الحكومات معها قادرة على تحقيق تلك المطالب وحل المشاكل، لهذا ينبغي تحقيق تلك المطالب في وقتها وبدون تأخير خطوة فخطوة وعدم ترك الأزمات والمشاكل تتراكم، وإلا فإن البلاد ستدخل في حلقة (السخط الجماهيري – اللااستقرار – القمع) والتي تؤدي إلى غياب الاستقرار والأمان وانهيار البنية الاقتصادية للبلاد والمضي باتجاه الحرب الأهلية والسير بالبلاد نحو المجهول.
rudaw
