• Monday, 02 February 2026
logo

ليالي أربيل ما مثلك ليالي!

ليالي أربيل ما مثلك ليالي!
محمد العراده

لم أكن أتوقع هذا الجمال، أصبت بالدهشة، كنت متخوف مما سيحدث، كنا نسمع الكثير عن عدم استقرار العراق، صعوبة التنقل، الإرهاب وداعش، ظننت بأني غامرت في حياتي، لا أخفيكم أصابني الهلع عندما توقفت الطائرة في مطار أربيل الدولي بعد رحلة "ترانزيت" من العاصمة القطرية الدوحة، لم يكن هناك مجال للعودة عن القرار، لقد كانت المفاجأة الأولى هي المطار، هذا المطار المنظم بتصميمه وعامليه، تقدمت للدخول، ابتدأت بـ «مرحبا» فكانت الإجابة: "مراحب.. من الكويت؟"، "نعم من الكويت"، "أهلاً بيك هوايه نحبكم"، ثم جاء الاستقبال الرسمي المبهر والمحترم حتى وصلت إلى الفندق؛ "ديفان" مقر إقامتي في أربيل، ومقر القنصلية الخاصة بالمملكة العربية السعودية الشقيقة كذلك، فرحت وترددت بالخروج، الوقت متأخر، جاءني اتصال هاتفي من صديق كوردي "شلون تنزل وما نشوفك؟ الحين جايك"، بشهامة الرجل الكوردي - كما عرف عنهم بطيبة قلوبهم - جاءني خلال دقائق ودعاني لمرافقته في السيارة، رفضت تخوفاً، قال لي: "يابا إنته بعهدتنا .. لو في شي 1 % ما نضحي بيك"، وثقت ليقيني بأن الكورد عند عهودهم.
اتجهنا بعد ذلك بجولة سياحية في المدينة، استوقفتهم: "أريد أرجيله"، جاوبني صديقي الكوردي: "حاضر وتدلل"، اتجه بي لأرقى حي "الدريم سيتي أعتقد"، حقق أمنيتي اللحظية، تحدثوا عن حب الكويت وحنكة قيادتها، وحبهم لي كشخص متزن، تسامرنا حتى الفجر، أعادوني مجدداً للفندق ثم نامت عيوني على أنغام محمد عبده وهو يصدح في أربيل: "نامت عيوني على حسنك وشفتك حلم .. يا زاير الليل ليل البارحه عدني .. متى تجيني مثل ما جيت حلمٍ علم؟ يا زايد القلب خفقه بالهوى زدني!" وأعادني للشوق الممزق مجدداً!
صحيت باكراً، غامرت واتجهت للقرية الإنجليزية لوحدي بلا إخطار للأصدقاء ولا القنصلية الكويتية، أعشق المغامرة غير المدروسة "لتحقيق الثبات بعد الشكوك"، "أرجلت" بعد إفطار الفندق، اتصلت بي القنصلية الكويتية للاستعداد لدعوة كريمة خاصة على الغداء من قبل الأخوين المستشار علي حماده والملحق الدبلوماسي سعد الرشيدي، كن جاهزاً في تمام الساعة 1:30 ظهراً، غداء نتشرف برؤيتك به وسنكون معك في المؤتمر والحفل الخاص بمكافحة الإرهاب ومرور عامين على مقتل الصحفية «شفا كَردي» وجائزتها الصحفية السنوية، أيقنت بأن الكويت سامية لأبنائها حتى خارج أسوارها، التقينا على «فنجان قهوة» ثم اتجهنا لمطعم «صمد» وهو مشهور بالمأكولات العراقية، النادل: "شتريدون بشنو نضيفكم؟"، أجابوه: "على ذوقك عدنا ضيف"، فبادرنا بـ «الدولمة»، آآخ يا عراق، بجميع أطيافك جميل، حتى في مأكلك ومشربك.
اتجهنا بعد الضيافة إلى الحفل، كنت أشعر بالثقة - وبهذه المناسبة أتقدم بالشكر الجزيل لسعادة السفير سالم الزمانان، والقنصل د. عمر الكندري ولكافة البعثة الدبلوماسية الكويتية - استمر الحفل وبحضور الرئيس الفرنسي السابق "فرانسوا أولاند" وكبار المسؤولين في الحكومة الكوردية والبعثات الدبلوماسية، لقد كنت الخليجي الوحيد المدعو، شيء يشعرك بالمسؤولية، وتمثيل يدعوك للاتزان. توجت العربية "جنان موسى" بعد انتهاء المؤتمر والحفل بجائزة "شفا كَردي"، كانت فخراً، أول عربية ومن نون النسوة تحصد هذه الجائزة الدولية. تهانينا لها فهي مجتهدة وضحت وخاطرت بحياتها لأجل المهنة الإعلامية.
اتجهنا بعد ذلك للقاء التلفزيوني في شبكة رووداو المهنية في الاستوديو المخصص في نفس المكان، وكانت زيارة موفقة في المجال الإعلامي.
توجهنا بعد ذلك الى القلعة التاريخية في أربيل، وعلى "رأس أرجيلة" اجتمعت الأخوّة، ثم اتجهنا بجولة سياحية لمجمعات أربيل التجارية، ولا أنسى دور قنصلية بلدي الحبيب الكويت بتوفير كافة السبل لإنجاح هذه الزيارة.
توادعنا بلسان الفنان خالد عبد الرحمن: "توادعنا أنا وياه لكن ما توادعنا .. رفض قلبي رفض قلبه سوا هلّت مدامعنا!"، فالجمال وطيبة القلوب أصعب ما تودعه في الحياة، ولكن هذه الحياة بمجملها لحظات وتمضي، ومضت، وانتهت الرحلة في صباح اليوم الذي يليه.
جميلة يا أربيل، طبيعتك، شعبك، سكينتك، فأنتِ ليلة غرامية لا تليق إلا بعشاق جمعتهم "ليلة الدخلة" بك، جميلة أكثر عندما يحين ليلك الساكن، وتعود الذكريات التي لا تغيب، كل ما مضى عاد لي في "ليالي أربيل"، فعلاً "ليالي أربيل ما مثلك ليالي" مع اعتذاري الشديد للفنان محمد عبده، ويبدو بأن أربيل صنعت شيء بداخلي لا أعلمه، وسأعلمه لربما، ثمة أشياء غريبة لا تعرفها بك، ستعرفها بعد حين، وفي الختام "ليت الليالي كلها بشوق أربيل .. تحضن براد الوقت لا صرت ضايق"!





روداو
Top