• Sunday, 01 February 2026
logo

جدار كوردستان الحامي

جدار كوردستان الحامي
مؤيد رشيد

رغم كل العقبات التي واجهت مشروع استقلال كوردستان، سواء من داخل البيت والنسيج الكوردي، أو من الحكومة المركزية، أو من الإقليم، أو من قبل أمريكا ومن خلفها العالم أجمع، على الصعيدين السياسيي والعسكري، والتي كانت لها نتائج سلبية على مناطق النفوذ الكوردية في شمال العراق، فهو في حقيقته لم يكن فقط استفتاء على الاستقلال، بل كانت حرباً يخوضها الشعب الكوردي عبر تاريخ طويل من النضال، خاض خلالها العديد من المعارك، وكان استفتاء عام 2017 واحدة من هذه المعارك، ولكنها قطعاً لن تكون آخرها.

كلنا يتذكر كيف تخلى العالم أجمع عن إرادة الشعب الكوردي في تقرير مصيره قبل وخلال وبعد الاستفتاء على الاستقلال، وهو أمر ليس بجديد، ولكنه سيبقى حدثاً تاريخياً محفوراً في الذاكرة، وهو ليس ببعيد، حيث جرى في 25 سبتمبر أيلول 2017 وحظي بنسبة مشاركة قياسية من الجماهير الكوردية، حيث شارك فيه 75% من السكان، صوتوا بنسبة 92% لصالح الاستقلال.

يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للالتزام بتحقيق الوعود التي أطلقها خلال حملتة الانتخابية نحو الرئاسة، والتي كان واحداً منها بناء جدار اسمنتي عازل على طول الحدود مع المكسيك، والبالغ 3200 كم، والذي تتجاوز تقديراته الأولية 6 مليارات من الدولارات بكثير، وهو يسعى بكل الوسائل الممكنة لتحقيق ذلك رغم مواجهته الكثير من المصاعب تتجلى في بعض المعارضة من الكونغرس، وملاك الأراضي على الحدود، ومنظمات المجتمع المدني للحفاظ على البيئة، وكذلك التمويل اللازم وهو من أهمها من حيث الأولوية، ولكن ترامب كما يبدو مصمم على هدفه بكل الوسائل القانونية المتاحة من خلال صلاحياته كرئيس رغم كل هذه العقبات.

قرار ترامب ليس ناتجاً عن عناد أو حب للظهور والتفاخر أو قصر نظر ودراية كما يصور الكثير من معارضيه، بل هو نابع من رغبة حقيقية للحفاظ على موارد بلاده المادية والبشرية والحد من تدفق المخدرات عبر تلك الحدود، والتي هي آفة تعاني منها كل المجتمعات في العالم، وكذلك للحد من الهجرة غير الشرعية والتي تؤثر سلباً على سوق العمل وتزيد من معدلات البطالة وأثرها السيء على الاقتصاد الأمريكي، ناهيك عن الخلل الديموغرافي والسكاني الذي تسببه الهجرة غير الشرعية على الوضع الاجتماعي بشكل أكثر شمولية، والذي يؤدي بالضرورة لخلق عشوائيات سكانية وتجمعات مدنية غير نظامية تؤثر سلباً على المجتمع نفسة ولتكون بؤراً تزيد من معدلات الفقر والجريمة واالمخدرات.

كل دولة في العالم تعمل على السيطرة على حدودها بشكل يحفظ سيادتها وأمنها واستقلالها، وحين يكون هناك تهاون في هذا الشأن تكون النتائج كارثية، وهذا ما حدث ويحدث في العراق وسوريا واليمن وليبيا، بعد أن غدت حدودها مشاعاً وبات كل منها وطن بلا أسوار.

كنا قديماً نسمع لنشيد "الجيشُ سورٌ للوطنْ"، واليوم هناك عشرات الملايين من المواطنين في تلكم البلاد، سواء ما زالوا يعيشون فيها أو أصبحوا مهاجرين أو مشردين أو لاجئين في المخيمات، لقد باتوا يعلمون وبعد فوات الأوان أن سور الوطن هو الجيش الوطني، وحين يغيب دوره فلا وطن ولا أسوار ولا حماية ولا أمن ولا أماني ولا أمان.

اليوم دولة كوردستان العراق "القادمة وحتماً"، أحوج ما تكون إلى سياج أو سور أو جدار يحميها من موجات الهجمات التتارية الجديدة، والتي اجتاحت كل ربوع العراق، ولكنها ما زالت تتكسر عند أعتاب إرادة الكورد كشعب وكوردستان كدولة ونظام يحمي مدنيتها وحضارتها ورُقّيها، يحمي التقدم العمراني والتميز الاجتماعي في التعليم والصحة والخدمات، ويحمي التطور من الهمجية والتخلف. يحمي البناء من الهدم، ويحمي العقول من الخرافة والجهل. يحمي الفن والثقافة والتراث، ويحمي الأطفال وطلاب المدراس والأجيال القادمة من آفة المخدرات والتي باتت تتفشى بشكل خطير ومدمر في معظم المدن والمدارس وتغزو المجتمع خارج حدود كوردستان. نظام يحمي الاقتصاد ويحافظ على القانون ويحارب الفساد.

لكم أن تغمضوا عيونكم وأن تتخيلوا، ماذا لو كانت أي محافظة أو مدينة أو قرية في كوردستان تحت الإدارة المركزية المماثلة في أي من المحافظات أو المدن العراقية في الوسط أو الجنوب ومن دون استثناء، سواء كانت ذات أغلبية سنية أو شيعية (وحسب التقسيم الصفوي الإيراني الجديد)، لكم أن تتخيلوا كيف سيكون عليه الحال وصولاً إلى البصرة، والتي هي في حقيقتها أغنى مدينة في العالم، حيث تطفو على أكبر بحر من النفط في العالم، ويعاني أهلها من التدهور والتخلف العمراني والصحي والتعليمي ونقص حاد في كل الخدمات، ناهيك عن التطهير الطائفي والديني، مع تدهور حاد وخطير في كل البنى التحتية وتفشي الأمراض والمخدرات والمليشيات، والتي يرافقها فقدان الأمن والأمان وغياب القانون في ظل سيادة الفساد، والذي نتربع فيه على رأس قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم. لقد أصبحث محافظة البصرة تحت ظل الإدارات الجديدة الموالية لإيران عبارة عن مستنقع كبير غير قابل للعيش أو الحياة، وليست بقية المحافظات "سنية كانت أم شيعية" بخير منها.

كل هذا مجتمعاً، بل ويزيد عليه، كان ليكون حال أي محافظة في كوردستان لو كانت تحت ظل تلكم الإدارات الفاسدة والعفنة.

يندهش وربما يتسائل ويتعجب معظم الزوار والسائحين إلى مدن وقرى كوردستان، والقادمين من بقية المدن العراقية الأخرى أو من الدول العربية، ويتفاجؤون من الفرق الهائل والنوعي لما علية الحال هنا وهناك، والذي بات كالفرق بين الثرى والثريا، وهو أمر مخطط ومبيت له ومقصود ومن قبل الغزو والاحتلال، ولكن إرادة ووعي الكورد شعباً وقيادةً نجت من هذا المصير والمخطط ونأت بنفسها بعيداً عنه.

ما أحوج كوردستان لجدار يمنع عنها هذه الريح الصفراء، والتي تحمل هذا الطاعون الأسود لتحميها وأهلها من شروره، ولتحفظ تقدمها وتحافط على مدنيتها وتصون تسلقها صعوداً درب البناء والتطور والإعمار.

الكورد شعباً وقيادةً، ورغم كل الخلافات البينية المتوارثة، ورغم البعض من مظاهر البريروقراطية الإدارية والتنظيمية، والتي هي موجودة في كل المجتمعات، يعون مجتمعين أن السياج والسور الحقيقي الذي يحميهم هو الوعي العالي للفرد الكوردي بالمخاطر التي تتربص به ومن حوله تروم النيل من مسيرة النهضة ودربها الذي يمشي فيه في ظل ظروف محلية وإقليمية متدهورة ومتفجرة، هذا الوعي هو السور والحماية والمناعة الحقيقية.

ولكن يبقى بناء الجدار ضرورة واقعية وحتمية في ظل وضع محلي وإقليمي ودولي مضطرب، لحماية المدنية المكتسبة نتيجة عقود من التضحيات.










rudaw
Top