• Sunday, 01 February 2026
logo

لماذا لا نجعل المنطقة الآمنة هدفاً كوردياً ؟

لماذا لا نجعل المنطقة الآمنة هدفاً كوردياً ؟
لم تكن الدول المؤثرة في الأزمة السورية ، وبعد مرور أكثر من سبع سنوات على انطلاقتها ، كريمة في تقديم المشاريع والخطط والبحث عن حلول ، كما هي الآن في الشمال السوري ، وعلى وجه التحديد في المناطق الكوردية على الحدود مع تركيا ، التي أصبحت مسرحاً لتقديم أفضل العروض ، أو اسوءها من قبل اللاعبين الدوليين والإقليميين .

بدأت الإدارة الأمريكية بعرض فكرة " إقامة المنطقة الآمنة " ، قابله رد روسي بأحياء إتفاقية " أضنة " الموقعة عام ١٩٩٨ بين نظام الأسد الأب والحكومة التركية ، وما بين العرضين ، تزاحمت الأفكار والاعتراضات وردات الفعل ، ليبدو المشهد أكثر تعقيداً وتشابكاً . العناوين العريضة في لوحة المشهد السياسي والعسكري السوري راهناً تركزت على : كيفية حماية الكورد و الحلفاء في الحرب ضد تنظيم داعش ؟ ، حماية الأمن القومي التركي وتبديد مخاوفه ، إعادة سيادة الدولة على كامل الجغرافية السورية ، إبعاد خطر وجود التنظيمات الإرهابية مثل النصرة وداعش والقضاء عليها نهائياً ، مسار العملية السياسية واستحقاقتها ، وأخيراً تحجيم الدور الإيراني في المنطقة والحفاظ على أمن وسلامة إسرائيل ، و جميع العناوين السابقة ، ممكنة التطبيق ، إذا ما حصل توافق وتقاطع في المصالح لقوى واطراف على حساب الأخرى .

أولى العُقد ، وأكثرها خلطاً لمشاريع اقليمية ودولية في سوريا ، هي الورقة الكوردية ومناطقه ، وعليها اجتمعت الإدارة الأمريكية مع روسيا تارة ، وتركيا مع النظام وإيران تارة أخرى ، أو أمريكا مع بعض الدول العربية والأوروبية من جهة ، يقابلها ، روسيا مع النظام وإيران وتركيا ، وحدها الحركة السياسية الكردية ما زالت تجتمع على كيفية تعميق هوة خلافاتهم الجانبية ، والتفريط بما هو مفرط . في ظل تسارع الأحداث ، والمستجدات السياسية والميدانية على الأرض ، ما زالت الأطراف السياسية الكردية الرئيسية في مربعها الأول ، وعلى ما يبدوا لا تفكر حتى القفز إلى التالي ، وحدة الصف الكوردي وتوحيد المسار والخطاب السياسي بات عنوان الأبرز ، لكن عملياً ، لا جهود حقيقة تبذل لاقتناص الفرصة التاريخية المقدمة لهم نتيجة تضارب محتمل لمصالح الدول وصراعهم على سوريا . المنطقة الآمنة ، التي يريدها البعض تعزيزاً لدوره ، وإعادة لتوازنه في المشهد السياسي الكردي ، يراها الآخر ، استهداف لوجوده ، والقضاء على " مكتسباته وانجازاته " التي حققها على مر السنوات السبع الماضية ، وعلى هذا المبدأ ، مازال التحرك انفرادياً شمالاً وجنوباً ، شرقاً وغرباً بحثاً عن صورة تذكارية هامشية ، لتصبح عنوانُ إنتصار هنا ، أو فتحٌ عظيم هناك ! ، و ما زالت التجارب السابقة في المحيط الكردستاني لا تعنينا ، سوى اقتطاع " الجزء الأسود " منها دعماً لحجة الهروب من الإتفاق على مشروع سياسي موحد ، ولا تفكير ، أو أحساس بالمسؤولية التاريخية أمام الشعب والقضية الكردية ، إلا من مناظير الحزبية المغلقة ، أو التقوقع خلف إيديولوجية أو محور نجد فيه خلاصنا .

في التجربة الكوردستانية العراقية ، وأقصد القسم المضيء فيها والذي يغفله البعض عن قصد ، كان إتجاه القوى الدولية يسير نحو عزل بغداد عن الهيمنة الكاملة ، سواء فى الشمال أو فى الجنوب ، وإيجاد مناطق الآمنة ومنع الطيران العراقي من التحليق فوق خط 32 شمالا، وخط 36جنوبا بموجب قرار مجلس الأمن الدولى رقم (688 لسنة 1991) الخاص بالعراق بعد حرب تحرير الكويت، ونتيجة للضغط الدولى على بغداد ، تم سحب كل مؤسسات الدولة الإدارية والعسكرية من المناطق الكوردية في العراق حينذاك ، الأمر الذى أوجد فراغاً سياسياً ، مهد للقيادات الكوردية عام 1992 لإيجاد صيغة قانونية ودستورية لإعلان إقامة إقليم كوردستان ، والمدخل الرئيسي لتطبيق هذا القرار ، والتي عملت عليه كلّ من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا كانت الإشارة الواردة في القرار 688 والذي نصَّ على " ضرورة أن يعمل العراق على إنهاء معاناة وقمع سكانه المدنيين، وأن يسمح للمنظمات الإنسانية الدولية بالوصول إلى كل أولئك الذين هم بحاجة إلى مساعدات فى العراق .." ، وكي لا ننسى ، كان الرفض التركي والايراني ونظام صدام حسين على أشده من تطبيق هذا القرار .

واسقاطاً للتجربة الكوردية في العراق وظروف إقامة المنطقة الآمنة والاستفادة منها لاحقاً للإعلان عن إقامة إقليم كوردستان العراق ، نستذكر قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤ الخاص بسوريا الصادر في عام ٢٠١٥ ، والذي جاء في بنده الرابع " على الأطراف كافة إتخاذ الخطوات الملائمة لحماية المدنيين، بمن فيهم أبناء المجموعات القومية والدينية والمذهبية، وإذ يؤكد في هذا السياق على أن المسؤولية الأساسية تقع على كاهل السلطات السورية في حماية أبناء شعبها..." ، لو تصدت الحركة السياسية الكردية في سوريا لهذه المهمة وحدها ، وتقاربت انطلاقاً من هذا الهدف ، وأقصد الالتقاء حول : كيفية دفع الدول ذات المصالح المشتركة ، والمؤثرة في الأزمة السورية ، وصاحبة العضوية في مجلس الأمن ، ومراقبة لتطبيق قرار ٢٢٥٤ وبيان جنيف ١ ورياض ٢ بإتجاه تبني خيار إقامة منطقة آمنة تخدم المناطق الكردية ، وتحافظ على خصوصية مكوناتها وتنوعها ، وتحميهم من خطر النظام السوري والتهديدات الخارجية ، والإستفادة من المناخ الدولي والإقليمي السائد حالياً في تعزيز هذا التوجه بدلاً من الاجتهادات الجهوية الفردية ، والدخول في حوارات والاعيب أجهزة الاستخبارات المحلية والإقليمية ، أو الاستسلام لعملية سياسية ونتائجها التي لن تكون بعيدة عن مزاج وعقلية الفكر الإقصائي والعنصري الذي انتهجه نظام البعث والاسد ضد الشعب الكردي منذ ما يقارب النصف قرن . العمل في هذا المسار ، وحده ينقذ الكرد وقضيتهم من التشتت ، ويحافظ على قوة ودور حركته السياسية في أي تسوية سياسية قادمة للأزمة السورية ، وفي نفس الوقت ، يكون كفيلاً بإزالة جميع مسببات التشنج والخلاف بينهم .







روداو
Top