• Monday, 02 February 2026
logo

كركوك وعلم كوردستان

كركوك وعلم كوردستان
ليست قصة رفع علم كوردستان في كركوك وتداعياتها بالجديدة، فعند سقوط نظام صدام وعودة الكورد إلى المدينة، كانت الأوضاع مشابهة للوضع الحالي، وكان هناك صراع أوسع نطاقاً بهذا الخصوص وأشد، ليس بين الكورد والعرب والتركمان وحدهم، بل أن أمريكا كانت ضمن المعادلة بكل ثقلها، وهكذا انتهى الأمر لصالح بقاء علم كوردستان مرفوعاً، وستنتهي الأوضاع الحالية في كركوك وجولة أخرى من الصراع بخصوص رفع العلم، وفي الأخير سيبقى علم كوردستان مرفوعاً.

عندما عدنا إلى كركوك في 10 نيسان 2003، ورغم أن الكورد حينها كانوا منقسمين على إدارتين ومجالَين سياسيين، ولم يكن ثم تنسيق أو خطة مشتركة بين المجالين السياسيين، كان علم كوردستان النقطة المشتركة الوحيدة الجامعة لكل القوى السياسية. فمنذ اليوم الأول من أيام عودتنا، امتلأت الأزقة والشوارع وأعالي مباني المقرات الحزبية والحكومية بأعلام كوردستان. لم يدم ذلك طويلاً، فبعد تشكيل المجلس وتفعيل المؤسسات الإدارية، بدأ التركمان والعرب يشكون إلى الأمريكيين، الذين كانوا يحكمون كركوك، رفع علم كوردستان حتى بلغت شكاواهم واعتراضاتهم عنان السماء. كانت أمريكا قد دخلت المعادلة حديثاً، ولم تكن تدرك الحقائق التاريخية لكركوك، فأيدت معارضي رفع علم كوردستان، وبذلك برزت مشاكل كثيرة ومعقدة ارتبطت بمسألة رفع العلم، حتى بلغت الأمور حد طرح فكرة منع رفع أي علم في كركوك والتفكير في استحداث علم خاص بكركوك تعتبره كافة المكونات علمها.

ظلت هذه المسألة موضوع الساعة لفترة، وعرض الأمريكيون تصاميم للعلم على الكورد والتركمان والعرب لاستحصال موافقتهم على أحدها واتخاذه علماً لكركوك بدون رفع علم كوردستان ولا علم العراق في كركوك. لم يقبل الكورد هذا، واعتبروا التمسك بعلم كوردستان علامة على كوردستانية كركوك، وفي الأخير تمت الموافقة على رفع علم كوردستان من قبل القوى الكوردستانية، ورفع علم العراق على مؤسسات الدولة. بعد هذا الاتفاق، لم يعد أحد يتحسس من رفع علم كوردستان على مقرات الأحزاب الكوردستانية، وجرت اجتماعات ولقاءات للقوى العربية والتركمانية في مقرات الأحزاب الكوردية في ظل هذا العلم وبدون اعتراض.

ظهر التحسس من رفع علم كوردستان من جديد، عندما طلب محافظ كركوك من مجلس المحافظة اتخاذ قرار يقضي برفع علم كوردستان على المؤسسات الحكومية في المحافظة. في ذلك الوقت أيضاً، لو تم تخصيص المزيد من الوقت للحوار والتفاهم بين المكونات، لم يكن مستبعداً أن يقبل الجميع بعلم كوردستان كأمر واقع في ظل ظروف العراق وكركوك في تلك الفترة، لكن أسباباً كثيرة جعلت الكورد يستعجلون تلك الخطوة وأصبحت العملية خطوة من جانب واحد. استاء العرب والتركمان ولجأوا إلى بغداد، ورفعوا شكواهم إلى البرلمان والحكومة والسلطة القضائية، لكن أياً من تلك السلطات لم يعترض رسمياً على خطوة مجلس محافظة كركوك هذه، حتى أن المحكمة الاتحادية ردت بأن هذه المسألة لا تدخل في نطاق تخصصها. توجه وفد كوردستاني خاص ببحث مسألة العلم إلى بغداد، وأسفرت الزيارة عن اتفاق الجانبين على أن رفع علم كوردستان على جميع مباني ومقرات المؤسسات الحكومية، عدا المؤسسات المركزية كشركة النفط والجامعة ومؤسسات أخرى، لا اعتراض عليه. خلال الأشهر الستة الفاصلة بين رفع العلم وأحداث 16 أكتوبر، كان التركمان والعرب والوفود العراقية والأجنبية يجتمعون ويلتقون في مبنى مجلس المحافظة والمحافظة في ظل هذا العلم.

في 16 أكتوبر، قامت قوات مسلحة خلال عملية احتلال كركوك، وليس بموجب قرار قانوني، بإنزال علم كوردستان. لذا، وفي حال تسنت فرصة العمل السياسي في كركوك لأي حزب كوردي، عليه أن يرفع علم كوردستان، على الأقل كعلامة تدل على أنه قوة كوردستانية. كان على الأحزاب الكوردية التي عادت إلى كركوك في الأسبوع الأول الذي تلا 16 أكتوبر أن تفعل هذا، لكنها تأخرت كثيراً، ولكن كما يقال ليس الوقت متأخراً أبداً لعمل الخير، والآن، إن كانت المسألة جاءت من منطلق الإيمان بمشروعية وجود علم كوردستان، فإن على الاتحاد الوطني الكوردستاني بالدرجة الأولى أن يقرر رفع علم كوردستان إلى جانب علم العراق في جميع مقراته وممثلياته في كل المحافظات العراقية ومنها العاصمة بغداد، أولاً لتشتيت الانتباه عن كركوك وتقليل التحسس من الموضوع، وثانياً لكي تجد الأطراف العراقية الأخرى أن من الطبيعي رفع علم كوردستان حيثما تواجد مقر لحزب كوردستاني. كما يجب أن تفعل كافة الأحزاب السياسية الكوردية ما فعله الاتحاد الوطني الكوردستاني في كركوك.

أما بخصوص تحسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني في هذا الوقت، فيُقرأ منه أن الاتحاد الوطني انتزع منه ورقة العلم. لأنه بعد زيارة البارزاني إلى بغداد وتطبيع العلاقات بين أربيل والمركز، بدأ الحزب الديمقراطي الكوردستاني يعمل على عملية يعود من خلالها إلى كركوك، ليس وهو يشعر بالعز فقط، بل يقصم بها ظهر الاتحاد الوطني الكوردستاني أيضاً. في الحقيقة، لو أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني عاد إلى كركوك ورفع علم كوردستان ودعا الاتحاد الوطني الكوردستاني والقوى الأخرى إلى رفع علم كوردستان على مقراتهم، لما بقيت أمام الاتحاد الوطني الكوردستاني فرصة للعمل في كركوك.

ويبدو أن الاتحاد الوطني الكوردستاني استشعر خطوات الاتفاق الوشيك بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والأطراف العراقية، وأن ذلك سيمهد للحزب الديمقراطي الكوردستاني تحقيق الشعارات التي رفعها، وقوله إنه لن يعود إلى كركوك بدون رفع علم كوردستان فيها. بهذا، ستبدو عودة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في أية ظروف إلى كركوك وكأنها قد تم التمهيد لها من جانب الاتحاد الوطني الكوردستاني، وإذا لم يعد فقد يتعرض للوم، ويقال إن علم كوردستان يرفرف في كركوك فلماذا لا يعود أعضاء مجلس المحافظة من الديمقراطي الكوردستاني إلى عملهم. إن ما فعله الاتحاد الوطني الكوردستاني كجزء من المنافسة السياسية مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني، كان لاستلال تلك الورفة من يد الأخير وليس لأنه يعتبر الأمر حقاً دستورياً أو مرتبطاً، كما جاء في بيانه، بالحداد على مام جلال.

لقد خرجت ورقة العلم من يد الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وبقيت في يده ورقة إعادة البيشمركة إلى كركوك كشرط مسبق، عسى أن يؤدي الأسلوب الجديد للتنافس بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني إلى رفع العلم وعودة البيشمركة أيضاً إلى كركوك.







روداو
Top