• Monday, 02 February 2026
logo

كوردستان سوريا بعد قرار ترمب

كوردستان سوريا بعد قرار ترمب
نوزاد هيتوتي

بعد أن تخلى الأمريكيون عن قوات المعارضة العربية السنية، في سوريا، فكروا في الاستفادة من قوات حزب الاتحاد الديمقراطي كبديل في الحرب ضد داعش. كان المسؤولون الأمريكيون يعتقدون أنه من المهم لغرض القضاء على داعش في العراق، فتح جبهة أخرى ضد هذا التنظيم في سوريا، وكان هذا بداية العلاقة العسكرية بين أمريكا وحزب الاتحاد الديمقراطي. استطاعت هذه الاستراتيجية الأمريكية تحقيق انتصار كبير في كوردستان سوريا ومناطق شمال سوريا وهزيمة داعش هزيمة كبرى.

لكن الذي كان مثار شك وتساؤل مستمرين في الأوساط السياسية والأكاديمية، هو غياب مشروع سياسي أمريكي لحل المسألة الكوردية في سوريا، وحصر علاقة أمريكا مع حزب الاتحاد الديمقراطي في نطاق عسكري هدفه هزيمة داعش، وكان هذا بالضد من رغبات ومطالب الكورد الذين يريدون أن تتعامل أمريكا مع المسألة الكوردية من منطلق سياسي وستراتيجي طويل الأمد. في كثير من تصريحاتهم، أشار الأمريكيون صراحة إلى أن علاقتهم بحزب الاتحاد الديمقراطي موقتة وتاكتيكية والهدف الرئيس منها هزيمة داعش. لذا لم يتحدث أي مسؤول أمريكي علناً عن مساندة كيان سياسي كوردي في كوردستان سوريا.

ما أكد على وجهة النظر الأمريكية هذه، هو قرار إدارة ترمب المفاجئ، في 19 كانون الأول 2018، الانسحاب السريع لكامل قواتها من سوريا، بدون أن تحسب حساب مصير الكورد وكوردستان سوريا، أو تتشاور مع المسؤولين الكورد. خاصة وأن الانسحاب الأمريكي يضع الكورد في مواجهة تهديد حقيقي، ومن المحتمل جداً أن يتعرضوا لهجوم تركيا، نظام الأسد وحلفائه، وداعش، ويحاول كل هؤلاء احتلال كوردستان سوريا.

قرار ترمب المفاجئ هذا، جوبه بموجة واسعة من العتب والاستنكار على المستويين المحلي الأمريكي والخارجي، وخاصة من جانب حلفاء أمريكا، وركز أغلب الانتقادات على أن هذا القرار جاء بعيداً عن استشارة كبار المسؤولين الأمريكيين، كوزير الدفاع ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي والكونغرس، وكذلك أصدقاء أمريكا في المنطقة.

من جانب آخر، سيعزز هذا القرار جانب الأطراف المناهضة لأمريكا، خاصة إيران وسوريا والأسد، فيصبح هؤلاء القوة الوحيدة التي تحدد اتجاه اللعبة السياسية والعسكرية في سوريا، بل سيؤثر على قلب الموازين في كل المنطقة لصالح إيران. إضافة إلى هذا، يرى أغلب المراقبين أن خطوة ترمب هذه ستؤدي إلى تقوية داعش الذي لم يهزم تماماً في سوريا ويستطيع إعادة تنظيم صفوفه. كذلك اعتبر قسم كبير من المسؤولين والساسة الأمريكيين، وحتى إعلامهم، سياسة ترمب هذه بأنها خيانة للكورد الذين هم أقرب أصدقاء وشركاء أمريكا في المنطقة وقدموا الكثير من التضحيات في محاربة داعش ولا يجوز تركهم بهذه السهولة.

اضطرت الضغوط ترمب إلى إبداء المرونة في طريقة سحب قواته من سوريا والقبول بانسحاب بطيء ومبرمج للقوات الأمريكية، بحيث يضمن، كما أشار السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، ثلاث نقاط رئيسة: أولاً، التأكد من القضاء النهائي على داعش، ثانياً، عدم ملء الفراغ الذي تخلفه أمريكا من قبل إيران، وثالثاً، أن لا يلحق الانسحاب الضرر بالكورد وحمايتهم.

في 2 كانون الثاني 2019، أيد ترمب قسماً من أقوال غراهام، فإلى جانب التأكيد على سحب قوات بلاده من سوريا، أشار إلى أنهم سيحمون الكورد.

ومع أن تصريحات غراهام وترمب المتعلقة بحماية كوردستان سوريا أحيت شيئاً من التفاؤل، خاصة وأن كوردستان سوريا، في حال غياب المساندة الأمريكية، لن يكون أمامه خيار سوى التوجه صوب نظام الأسد وروسيا للحيلولة دون تكرار سيناريو عفرين، ولا شك أن هذا سيجعل الكورد في موقف ضعيف عند التفاوض مع نظام الأسد في حين لا يبدو أن دمشق مستعدة للإقرار بكيان كوردي.

في الواقع، إن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، سواء أكان بسرعة أم ببطء، فإن مسألة حماية الكورد التي أشار إليها ترمب تحمل الكثير من الشكوك والتساؤلات، خاصة وأن الولايات المتحدة تفتقر إلى أي مشروع سياسي لكوردستان سوريا، وكيف ستحمي الكورد بعد سحب قواتها، فهل أن أمريكا مستعدة لفرض منطقة حظر طيران فوق كوردستان سوريا؟ أم ستساند الكورد من خلال القوة الجوية؟ خاصة وأن روسيا ترفض بشدة مثل تلك المشاريع ومستعدة لاستخدام حق النقض في مجلس الأمن الدولي ضد هكذا قرارات. هذا إلى جانب كون مثل هذه المشاريع مكلفة جداً، فمن الذي سيتحمل نفقاتها؟ كما تتحدث مصادر عن منطقة مؤمّنة، لكن كيف سيتم تشكيل مثل هذه المنطقة بدون تواجد القوات الأمريكية وما هي القوة التي ستحميها؟

وهناك سؤال آخر، وهو أنه مادامت أمريكا غير قادرة على حماية الكورد إلى الأبد، فلماذا لا تعمد قبل الانسحاب من سوريا إلى استخدام مكانتها العسكرية والسياسية لحل المسألة الكوردية، وحتى الأزمة السورية، بصورة تقطع دابر الحرب الدموية في تلك الدولة؟ لماذا تترك هذه المسألة لروسيا، إيران، الأسد وتركيا، في حين ترفض هذه الدول كافة حالات الأمر الواقع الكوردية؟

لهذا فإن انسحاب أمريكا السريع أو البطيء، لن يغير من الأمر شيئاً بالنسبة لكوردستان سوريا، ما لم تدعم الكورد سياسياً وما لم تعمل على حل المسألة الكوردية في إطار فدرالي أو أية صيغة أخرى.






روداو
Top