استئناف الثورة في سبيل كركوك
بما أن كركوك أضحت هوية المشكلة الكوردية في العراق وأضفيت عليها حلة من القداسة، نجد أن الحركات الكوردية المختلفة في هذا الجزء من كوردستان وعلى مدار نحو مئة عام الأخيرة، ربطت كل المسائل الأخرى بمشكلة كركوك، فكانت انطلاقات الثورات والانتفاضات مرتبطة بمسألة كركوك، حتى النكسات ونهايات الثورات تم ربطها بكركوك أيضاً.
لكن لو أجرينا مقارنة على أرض الواقع بين ظروف الكورد في الأيام التي بدأوا فيها الثورة المسلحة وأوضاع الكورد في كركوك حينها، لا شك سيتبين لنا أن الكورد حينها لم يكونوا مهدَّدين ومعرضين للخطر كما اليوم. لذا يجب علينا أن نتساءل لماذا اختار الكورد يومها الثورة المسلحة في ظل ظروف لم تكن ملائمة أبداً لتلك الثورة، بينما اليوم ومع القوة التي يتمتع بها الكورد من حيث التسليح والقدرة على المواجهة العسكرية، يلتزمون الصمت تجاه الأخطار المحدقة بكركوك؟
حمل الكورد البندقية يوماً لمواجهة التعريب، في وقت كان فيه الحصول على أربع بندقيات صدئة عن طريق التهريب ضرباً من المحال، لكنه اختار ذلك الطريق وواجه دولة مدججة بترسانة من الأسلحة، ولكي يوقف التعريب خاطر بجغرافيا أوسع بكثير، ورغم تقديم قسم كبير من كوردستان للمحرقة وتضحيات المواطنين التي لا تحصى، وفي وقت كان فيه كل كوردستان يواجه الموت، لم يعض أحد أصابع الندم لأن النضال ضد الاحتلال كان مشروعاً، ولو أجرينا مقارنة بين قيمة التضحيات وقيمة المكاسب التي تحققت، فلا شك أن كوردستان قدمت أكثر بكثير مما أخذت، لكن لأن الصراع والمقاومة كانا مشروعَين لم يوجه أحد اللوم إلى القادة الذين ساروا بالثورة إلى النكسة وإلى الإبادة العرقية للشعب، ثم انتهى الكفاح المسلح.
باتت كركوك الآن هدفاً لمرحلة خطيرة من مراحل سياسة التعريب، فهي مرحلة أشد تركيزاً وتخطيطاً مما كانت عليه المراحل التي ثار عليها الكورد في ما سبق. فقوافل العرب المستقدمين إلى كركوك تزداد يومياً، بل أن التعريب بات يشمل حتى القرى التي لم تنل منها حملات الأنفال والتعريب في عهد صدام أو في أيام داعش. الاختلاف بين تلك الأيام والوقت الحاضر هو أن الكورد حينها كانوا جميعاً يستشعرون الخطر معاً ورغم ضعف الكورد وقوة الدولة الحاكمة، ورغم عدم التوازن في الأسلحة ولوازم المواجهة، ورغم غلق كل أبواب العالم حينها في وجه الكورد والافتقار إلى القنوات الدبلوماسية، فإن إرادة الكورد الجماعية لمواجهة التعريب كانت في كثير من المراحل سبباً لانفراط عقد التعريب. أما اليوم، ورغم وجود أحزاب كوردية في السلطة وقوات مسلحة والانفتاح على العالم، نجد طرق التعريب سالكة، ونجد أن وجود الكورد في بغداد كجزء من السلطة، وهم في الواقع لا سلطة لهم، يقدم خدمة كبيرة لإنجاح عملية التعريب.
بدأت العملية الدراسية منذ أكثر من شهرين، ومازالت 500 مدرسة كوردية في كركوك تنتظر تزويدها بالكتب المدرسية من وزارة التربية في إقليم كوردستان، لكن نقطة سيطرة كركوك التابعة لإدارة كركوك تمنع، كما البعث، إدخال الكتب إلى كركوك، وبينما وزير المالية كوردي ونقاط السيطرة الجمركية تلك تابعة لوزارته، ليست للوزير سلطة تسهيل دخول تلك الكتب إلى كركوك، لأن المسألة مرتبطة بالدراسة الكوردية وسياسة التعريب. كما أن رئيس الجمهورية كوردي، ويفترض أنه يحمي الدستور، والدستور العراقي يعتبر اللغة الكوردية لغة رسمية للدولة جنباً إلى جنب اللغة العربية، كما أن الدستور نفسه سمح لأبناء الكورد في كركوك بالدراسة في مدارس كوردية، لكن بما أن الأرضية الآن ممهدة للتعريب، لا يلتفت أحد إلى الدستور ويمنعون الكورد من الدراسة بلغتهم، وليست لرئيس الجمهورية سلطة حماية هذا البند من الدستور.
لو لم يكن الوزير كوردياً ولم يكن رئيس الجمهورية كوردياً، لكان منع إدخال الكتب الكوردية إلى كركوك وحده كافياً ليدرك الجميع كيف أن العقلية التي تحكم في بغداد باشرت عملية محو الكورد. لكن لأن الكورد ظاهراً جزء هام من الحكم في العراق، لا يصغي أحد إلى الصرخات التي تطلق تحت وطأة التعريب وترتفع لتشق عنان السماء. الدولة تضغط يومياً على القرويين الكورد لإجبارهم على الرحيل عن أرض الآباء والأجداد، وإخلائها للعرب المستقدمين من أماكن بعيدة، والمستعدين للتحول إلى أداة احتلال بيد شوفينيي عراق الأمل والسلام، وليس في عراق التوافق والشراكة هذا أحد يستجيب لنداء استغاثة هؤلاء الفلاحين الكورد.
سبب هذا الفتور واللامبالاة اللذين تقابل بهما مسألة خطيرة وكبرى كمسألة كركوك، هو عدم الاتفاق داخل البيت الكوردي. فقد أثر ذلك الصراع الداخلي على نفسية الأفراد المنتمين إلى الأحزاب المتورطة في هذا الصراع لدرجة أن بعضهم صار من البلادة بحيث يربط بين سياسة التعريب والعقلية التوسعية العربية وبين الاستفتاء على الاستقلال وأحداث 16 أكتوبر. ربما كان لكل من الحدثين دور ما في تهيئة الأجواء التي تشهدها كركوك الآن، لكن استئناف التعريب مرتبط بعقلية وستراتيجية السلطة في بغداد، فمنذ إلحاق كوردستان بالعراق، كانت هذه ستراتيجية عملت عليها السلطات المتعاقبة على الحكم وستستمر على التمسك بها في المستقبل.
يجب أن يدرك الكورد حقيقة تلك الأخطار التي تهدد كركوك الآن كخطوة أولى، وستهدد مستقبلاً جميع المناطق الأخرى. ليس الوقت وقت تبادل التهم، لأن ذلك لن يوقف هذا الخطر، بل يجب البحث عن طريق يشكم تلك العقليات التي تقف وراء سياسة التعريب، ولتحقيق هذا يجب أولاً الانتفاع من مناصب وحصص الكورد في بغداد، والضغط على شاغلي تلك المناصب وإدانة صمتهم تجاه هذا الظلم، رغم أنه ليس مستبعداً أن ينأى بعضهم عن التورط في مشاكل بسبب كركوك، حفاظاً على منصبه وامتيازاته.
وقبل مخاطبة القياديين العرب، يجب أن يقال لممثلي الكورد في بغداد، إنه في حال استمرار سياسة بغداد هذه تجاه كركوك، كونوا واثقين من أن جميع أبناء كركوك وكوردستان ليسوا خاضعين للعقلية التي تنتج المخصيين، وهناك من يستطيع قيادة انتفاضة واستئناف ثورة في سبيل كركوك، قد تكون أفضل الخيارات في ظل الظروف الحالية وللحد من الجرائم التي ترتكب.
نقلا من روداو
