مشروع خط السلام في الشرق الأوسط ..... رشا ماهر
مشروع خط سكك حديد بغداد - برلين كان من البذور الأولى للحرب العالمية الأولى، وكانت الحكومة الألمانية تقف وراءه بقوة كحلقة في مسلسل ألمانيا وتركيا وروسيا لكسر سيطرة بريطانيا على حركة التجارة في بحار العالم، حيث يربط العاصمة الألمانية برلين بموانئ العراق على الخليج العربي ليصبح طريق ألمانيا إلى التجارة الآسيوية مفتوحاً ويكسر تبعية ألمانيا لنفط شركة "روكفيلر ستاندارد أويل" الأميركية، وهذا ما أقلق بريطانيا في إقناع الشركات المرتبطة بها للاستثمار المشترك في مشروع سكك حديد بغداد - برلين، فكانت مصرة على حرمان منافسيها وخاصة ألمانيا من الثروة النفطية، فأقلقت روسيا القيصرية بالقول إن خط سكك الحديد الذي يمر بالموصل سيهدد ممتلكاتها في القوقاز ويؤثر على حدودها الأرمنية، فسارعت الأخيرة إلى المطالبة بتعويضات مباشرة.
اضطرت السلطنة لتغيير مرور الخط إلى طريق "قونية"، في حين رحبت فرنسا بالمشروع واعتقدت أن تجارتها الواسعة مع الإمبراطورية العثمانية وتحديداً في بلاد الشام قد تجلب لها الأرباح العالمية في استثماراتها المصرفية الجديدة، خاصة وأن خطوط التجارة ستربط الموانئ البحرية العثمانية ولا سيما أزمير والإسكندرونة مع خط حلب - الموصل الحيوي، فما كانت من بريطانيا إلا أن بدأت بمساومة الألمان بأنها لن تقاوم المشروع في حالة سطوتهم على القسم الأساسي الجنوبي من الخط الممتد بين بغداد – البصرة، وحين امتنعت ألمانيا عن هذه المساومة صرح اللورد "كرزن" بأن هذا المشروع قد يؤدي إلى إنعاش الدولة العثمانية، وعندما قامت الحرب العالمية الأولى وضعت كلمة النهاية لهذا المشروع الطموح الذي لم يكتب له أن يكتمل وإن كانت الأجزاء التي أقيمت منه داخل العراق دخلت حيز التشغيل وأصبحت نواة لشبكة السكك الحديدية في العراق.
اليوم يعود التاريخ ليفتح تلك النواة بتحديات عالمية جديدة في المشروع الخليجي الصيني الروسي لإنشاء "حزام واحد، طريق واحد" لإحياء طريق الحرير التاريخي، عبر تشييد شبكات من الطرق وسكك الحديد وخطوط النفط والغاز والكهرباء والإنترنت يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى وروسيا وبنغلادش والهند وباكستان والعراق إلى الشاطئ السوري وشمال أفريقيا عبر البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى الأطلسي، لتأخذ الصين وروسيا دوراً أكبر في النظام العالمي، من خلال امتدادها التجاري على مساحات كانت حكراً على الدول الغربية بعد أن عملت الولايات المتحدة على إضعاف الاتحاد الأوروبي بالأزمات الاقتصادية وخلق انقسامات وخلافات داخلية أدت إلى خروج بريطانيا من الاتحاد ووقوع الاتحاد تحت الضغوط الترامبية في رفع كلف ضرائب الألمنيوم والصلب وفرض السياسة الأمريكية على أعضاء الأوبك وخاصة إيران وفنزويلا، وسياسة جر الخليج لتغطية عجز النفط الإيراني مقابل الحماية، فقامت الكويت والسعودية وقطر بتحالف صيني وقعت فيه الكويت اتفاقية دفاع استراتيجية والسعودية اتفاقية بنى تحتيه وقطر إعفاء تبادل التأشيرة انضمت لهم تركيا بتحالفها مع قطر والسعودية بعد إغلاق ملف الخاشقجي لإنهاء الابتزاز الأميركي وحماية مصالحهم وعروشهم، كما لحقت الأردن بهم بعد إلغاء ملاحق وادي عربة والانضمام إلى دافوس الصحراء.
هذا وقد كان من المفترض انضمام الولايات المتحدة وإسرائيل في وصل خط السكة الحديدية، مروراً بالأردن إلى الموانئ الإسرائيلية تحت مسمى "خط السلام" بعد إبرام صفقه القرن وحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن "الخطة ستبدأ بإنشاء محطة لسكة الحديد في مدينة بيسان شمال فلسطين 2019، ينطلق منها خط عبر جسر الشيخ حسين على الحدود الأردنية، ومن هناك إلى مدينة إربد شمالاً، ومن ثم إلى دول الخليج العربي والعراق وصولاً إلى منابع النفط.
وقال التل لـ"أردن الإخبارية" إن "هذه السكة جاءت ضمن بنود اتفاقية وادي عربة التي نصت على أن يقوم الطرفان بفتح وإقامة طرق ونقاط عبور بينهما، وسيأخذان بالاعتبار إقامة اتصالات برية واتصالات بالسكك الحديدية بينهما، خاصة وأن هذا المشروع هيأ له قبل ثلاث سنوات مع الرياض، إلا أن الحملة الإعلامية بتهديد ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان واستمرار الاستحلاب الأميركي سحب الأردن من اتفاقية وادي عربة، لتدخل إسرائيل في تفاوض مع الأردن، ومن يظن أن وطنية ملك الأردن وحرصه على الأردن هو من أخرجه من الاتفاق فهو مخطئ، فخوف الملك على عرشه من حل الدولتين وضم فلسطين للأردن باتفاقية القرن هو ما دفعه إلى الخروج ببطولات عبد الناصر، وتبقى خسارة الدول الأوروبية وانسحابها من مشروع دافوس الصحراء هي ذات الخسارة الروسية الألمانية الفرنسية في إنشاء خط برلين – بغداد، فهل يفهم العراق أن فتح باب الاستثمار العالمي ومشاركة خط السلام هو ما يعيد بناءه واستقراره، وأن محابات إيران لن توصله إلا ليكون ساحة قتال.
روداو
