دولة الارقام الوهمية
بعد سقوط نظام صدام، دارت (وماتزال) الكثير من السجالات حول العراق الجديد الذي ولد بعد عملية قيصرية غاية في التعقيد والتشابك، شارك فيها كبار اطباء وحكماء عالم السياسة من الشرق حتى اقصى الغرب ممثلا بالعالم الجديد.
هذه السجالات كانت تتحدث عن آمال عريضة طالما انتظرها العراقيون واحلاما وردية كثيرا ما نشدها كل مواطن في هذا البلد المبتلى بنخبه الحاكمة منذ سقوط الملكية وانبثاق العصر الجمهوري. من جهتنا نحن الكورد كنا، اسوة بباقي العراقيين، نتطلع الى عصر جديد تطوى فيه ملفات الآلام والمعاناة، من خلال وضع الوصفات التشريعية والاجراءات التنفيذية، لمداوات جراح عميقة نتجت بسبب عقود متوالية من الاضطهاد والحرمان والحروب والتدمير والتخريب ضد كوردستان وشعبها.
بعد صدور الدستور العراقي ومن ثم نجاح الاستفتاء عليه شعبيا، اي بعد عامين من سقوط نظام صدام، تطلع الكورد على المستوى الشعبي وعلى مستوى النخب السياسية والثقافية بمزيد من الارتياح للحقوق التي اقرها دستور عام 2005 للشعب الكوردي، مع ان الدستور لم يلبي كافة المطالب الكوردية، مثلما انه لم يلبي كافة مطالب باقي المكونات العراقية الرئيسة والثانوية، الا انه استجاب لكم كبير من المطالب الكوردية ومطالب الآخرين ايضا.
نعم، بعد اقرار الدستور العراقي على الصعيدين الرسمي والشعبي، دار نقاش حام بيني وبين صديق امضى سنين شبابه في صفوف الثورة الكوردية واصيب لاكثر من مرّة اثناء اشتراكه في الثورة، حول احدى اكبر العقد امام حل القضية الكوردية في العراق، اي مسألة حدود اقليم كوردستان وبالذات مسألة كركوك التي دفعت هذه المدينة وسكانها باهضا تكاليف سياسات الفصل العنصري التي اتبعتها الحكومات العراقية المتعاقبة ضد السكان الاصليين من ابناء هذه المحافظة، في مسعى منها لتغيّر هويتها ومصادرة واقعها الجغرافي وبالضد من ارادة سكانها.
بالنسبة لي كنت في منتهى التفاؤل حول هذه المسألة بالذات. فقلت بمزيد من الثقة لصديقي، دقق النظر في المادة 140 من الدستور العراقي الذي ضمن فحوى المادة 58 من قانون ادارة العراقية. فهذه المادة حددت آليات عادلة ومتوازنة من اجل حسم مستقبل كركوك (طبعا وباقي المناطق الكوردستانية خارج الحدود الحالية للاقليم) والتي اطلق عليها الدستور اسم (المناطق المتنازع عليها). واكدت بمزيد من الثقة، انظر فقد حدد المشرعون العراقيون مدة عامين فقط، اي مع نهاية عام 2007 فانه سيتم تطبيع الاوضاع السكانية في هذه المناطق وسيجري احصاء لسكانها، وما اسهل ذلك، ومن ثم تسير الامور نحو تنفيذ الفقرة الاخيرة من المادة، حيث يستفتى سكان هذه المناطق ليكون لهم الخيار بين ان يبقوا جزءا من الاقليم العربي للعراق، ام انهم سيقررون الانضمام طواعية الى اقليم كوردستان، وهي بذلك تعد آلية عادلة وديمقراطية.
بعد ان قرأ صديقي نص المادة 140 من الدستور العراقي، ابدى درجة من التفاؤل فاقت مستوى تفاؤلي، الا انه ابدى ملاحظة مشوبة بشيء من الحذر، حول طول المدة الزمنية، الانتظار لمدة عامين ليقرر سكان كركوك وباقي المناطق الكوردستانية (المتنازع عليها) مصير مناطقهم بين بغداد واربيل، اعتبرها مدة طويلة ولا مبرر لها.
مرّت مدة العامين ولم ينفذ من المادة الدستورية المعنية سوى جزء من فقرتها الاولى. وبعد جدل سياسي حام بين القادة والقوى الكوردستانية والقادة العراقيون الجدد، حول عدم تنفيذ المادة 140 من الدستور في مدتها المحددة، حصلت وساطة اممية ودولية وتم في النهاية تسويف فحوى المادة. والقضية مازالت عالقة دون حل. وللحقيقة نقول، ما لم تحسم مسألة حدود اقليم كوردستان، فلن ترسي القضية الكوردية في العراق على برّ الامان.
للتذكير نقول، بان الحكومات العراقية المتعاقبة طوال القرن الماضي كانت تتفق مع قادة حركة التحرر الكوردستانية وتبدي الاستعداد التام لتلبية المطالب الكوردية العادلة، فقط حينما كانت في وضع الضعف والحرج، وحالما كانت تستعيد وتمتلك اسباب القوة لسحق الكورد وضرب حركتهم التحررية، حتى وان كان على حساب السيادة وسلامة الاراضي العراقية (اتفاقية 11 آذار عام 1970 واتفاقية الجزائر عام 1975 خير مثال على ذلك)، كانت تهاجم كوردستان وتضرب الكورد بكل ما لديها من قوّة وامكانيات، بل وصل الامر الى ضرب الكورد بالاسلحة المحرمة دوليا.
دولة الارقام (وايضا الوعود) الوهمية تعريف ينطبق على العراق الحالي. مع ان هناك وزارة باسم وزارة التخطيط، ومع وجود الايرادات الضخمة حيث تتأرجح الموازنة العراقية العامة للعام المقبل والاعوام السابقة عند سقف الـ(100) مليار دولار، الا ان الدولة عاجزة عن اجراء احصاء للسكان، مثلما هي عاجزة عن توفير الخدمات الاساسية للسكان.
مرّت دورتان للاحصاء ولم تستطع الحكومة العراقية التي اعقبت عام 2003 اجراء التعداد العام للسكان. فقد كان من المفروض اجراء التعداد العام للسكان عامي 2007 و2017، لكن الحكومة الاتحادية العراقية عجزت عن انجاز هذا الواجب، ومرّت المسألة مرور الكرام وكأن شيئا لم يقع.
النظام العراقي السابق بكل سلبياته ورغم الوطأة القاسية للحصار الاقتصادي الاممي المفروض عليه، فقد استطاع اجراء آخر احصاء عام للسكان عام 1997 شمل 15 محافظة عراقية فعليا، وتم تقدير عدد سكان ثلاث محافظات كوردستانية خاضعة لحكومة اقليم كوردستان بشكل تخميني.
النظام العراقي الذي تولى السلطة بعد عام 2003 مازال عاجزا حتى الآن عن اجراء احصاء للسكان. قبل اعوام واستعدادا لاجراء التعداد العام للسكان، اتخذت الحكومة العراقية المزيد من الخطوات وصرفت مبالغ مالية ضخمة لتدريب وتأهيل العدادين والمنتسبين الذين كان من المقرر ان يقوموا باجراء التعداد العام للسكان لعام 2007، لكن وبعد جهود هائلة بذلتها الحكومة مدعومة بمبالغ مالية طائلة، تراجعت الحكومة العراقية عن عملية اجراء التعداد العام للسكان. وبعد مرور عشرة اعوام اخرى، لم تستطع الحكومة العراقية وللمرّة الثانية منذ تأسيس الدولة العراقية، من اجراء التعداد العام للسكان لعام 2017 ايضا. وهذا مؤشر سلبي من حيث اداء الحكومة.
وبذلك تحول البلد الى دولة الارقام الوهمية كواقع حقيقي معاش. ومن نافلة القول ان نشير متسائلين: اليس من العيب ان تتخذ الدولة من بطاقة التموين كوثيقة ثوبتية في المعاملات الرسمية؟ ففي ظل الثورة المعلوماتية وتوفر احدث اجهزة ووسائل التداول المعلوماتي (الحاسوب والانترنيت)، نرى ان الحكومة العراقية لم تستطع انجاز احد مهامها الاساسية.
عليه فلا غرابة في الامر حين تقرر هذه الحكومة تخفيض حصة اقليم كوردستان من الموازنة العراقية من 17% الى اقل من 13%، ومن دون مسوغ قانوني وخلافا للدستور الذي حدد الآليات بدقة. فالدولة تسير وفق الارقام الوهمية، ولا وجود لقاعدة بيانات ثابتة ودقيقة او بيانات احصائية موثوقة يمكن الاعتماد عليها.
الحكومة التي لا تمتلك البيانات الاحصائية، كيف يمكن ان تسيّر الامور الرسميّة وتضع الخطط والبرامج التنموية والمشاريع الانمائية للبلد؟ لست ادري هل باستطاعة اي موظف او مسؤول عراقي الاجابة على اسئلة معلوماتية على شاكلة: كم عدد سكان العراق؟ كيف يمكن تصنيفهم على المستوى المهني والتعليمي، وكذلك كيف يمكن التعرف على واقع الثروة البشرية من حيث السن والمؤهلات والواقع الاجتماعي والمعيشي والصحي... الخ؟
من المهم الاعتراف بان الدولة العراقية تعيش في حالة اشبه بالشيء المعلق في الهواء، تذره الرياح حيث تشتهي. لاشك بان بناء الدولة وتحقيق الرفاه والازدهار، ابعد من ان يتم تحقيقه عبر نظام يعتمد الارقام الوهمية.
