روزا مة هةلات ...بارزاني هات
صلاح بدرالدين
بعد انقضاء أحد عشر عاما في منفاه – السوفييتي – وفي السادس عشر من تشرين الأول \ أكتوبر وبعد سقوط الملكية ونجاح الثورة العراقية في الرابع عشر من تموز 1958 , يعود الزعيم الكبير مصطفى بارزاني وصحبه الى الوطن متسلحا بتجربة غنية مليئة بآيات الصمود والشجاعة والاقدام في ظروف لم تخلو من المعاناة ومخاطر الأحداث الدرامية من ملاحقات وهجمات المستعمرين البريطانيين والحكومات العراقية العنصرية , وسقوط جمهورية – مهاباد – الوليدة التي هرع البارزانييون لحمايتها , ولم تسلم من قساوة التعامل في عهد الدكتاتور ستالين والاضطهاد جراء شوفينية – باقيروف – , ومن نوع من التجاهل له وللمئات من المقاتلين – المناضلين من مرافقيه الموزعين في جمهوريات آسيا الوسطى السوفيتية في أحوال بالغة الصعوبة ليس من جانب السلطات السوفيتية فحسب بل المجتمع الدولي برمته الذي طال ما بقي متفرجا لامبالي على تراجيديا الكرد في مختلف مراحل التاريخ .
لقد حط البارزاني وصحبه الرحال في الاتحاد السوفييتي السابق بعد رفضه الاستسلام لطغاة ايران ومضى في أطول مسيرة مواجها جيوش ايران والعراق وتركيا ليعبر نهر – آراس – وكان ذلك بالتاسع عشر من حزيران 1947 الذي أصبح يوما تاريخيا مشهودا في تاريخ حركة التحرر الكردستاني , وفي طريق العودة الى الوطن زار البارزاني ومجموعة من رفاقه رومانيا والمجر وتشيكوسلوفاكيا ثم مصر بناء على دعوة من الزعيم العربي جمال عبد الناصر .
منذ البدايات ونحن نتابع مسيرة- البارزاني- ونحاول الاستفادة من نهجه وتجربته النضالية الطويلة, بعيدا عن الايدولوجيا التي تتكون بطبيعتها من عدد كبير من الاساطير غير القابلة للتصديق. ولم تكن موجودة في فكر ونهج- البارزاني- لكن الفكر أمر تاريخي تظهر آثاره فيما بعد, واحيانا تستمر هذه العملية مئات السنين ولدى كافة شعوب العالم. فكر- البارزاني- مرتبط بتاريخ الكرد, هذا الفكر القومي الذي نهل منه- البارزاني- يبدأ من ملحمة كاوا الحداد, ويمتد إلى يومنا هذا. بمعنى أن قضية الاكراد القومية ارتبطت بملحمة كاوا وعيد النوروز, الذي أصبح آلية لإثارة هذه القضية, وهو عيد قومي للكرد على عكس الكثير من شعوب المنطقة التي تحتفل بالنوروز, ابتهاجا بقدوم الربيع وإزدهار الطبيعة. الفكر القومي الكردي الذي حمله- البارزاني- مرتبط بفكر ومفاهيم زرادشت, الذي يُعرف كنبي للكرد ويمر في طريق صائب ومنظم, وليس فكرا فاشيا لانه متأثر بهذه المفاهيم. ملحمة كاوا اثرت على الجانب الثوري للفكر القومي الكردي, والمعتقدات والافكار الزرادشتية, اثرت على الجانب السلمي لهذ الفكر وجعلته متزنا مسالما نابذا للعنف والتطرف. وبعكس الشعوب الأخرى في المنطقة التي شهدت ظهور حركات متطرفة وعنيفة كالأتاتوركية والبعثية، لم تظهر حركات متطرفة بين الكرد. جمع- البارزاني- في شخصه صفات كاوا الثورية وحكمة وعقلانية زرادشت.
لكل شعب من شعوب المعمورة ابطاله ورموزه- البارزاني- يتميز عن غيره بفكره وحياته العملية. عايش- البارزاني- التجربة الاشتراكية عن قرب, حين سافر إلى الاتحاد السوفياتي السابق بمسيرته التاريخية العظيمة, وظل هناك أكثر من عقد من الزمن. آنذاك كان نصف العالم إشتراكيا, وحل المسألة القومية وفقا للمبادئ الاشتراكية مطروحا للنقاش والبحث. لم يتسن لقادة آخرين مثل- جمال عبدالناصر- وياسر عرفات- رؤية الاشتراكية عن كثب, و هذه التجربة عززت من فكر وتجربة- البارزاني- الذي رأى بعينه كيف أن الاشتراكية فشلت عمليا في حل المسألة القومية بطريقة عادلة, وكانت هذه اشارة مؤثرة في فكر- البارزاني .-.
مما لاشك فيه أن فكر- البارزاني- كان مرتبطا اكثر بالواقع والحقائق على الارض, وليس بالنظريات التي يقول عنها هيغل: "النظريات صفراء، لكن شجرة الحياة خضراء دائما". كان- البارزاني- مرتبطا بتاريخ شعبه وعائلته, حيث كان جيلين من قبله منهمكون بالكردايتي منذ عهد الشيخ عبدالسلام- البارزاني- وورث عنهم ميراثا قوميا مميزا. أرسل الشيخ- عبد السلام- رسالة إلى السلطان العثماني, إبان إجراء الإصلاحات في الدولة العثمانية, وضّمنها بعض المطاليب القومية. قامت حركات بارزان ضد الظلم والاضطهاد وسعيا نحو الحرية وتحقيق مطالب الكرد حسب شروط تلك المرحلة, حيث كانت المسألة القومية حديثة العهد مع وصول بشائر شعارات الثورة الفرنسية إلى الشرق الاوسط ..
كان- للبارزاني- تجربته الخاصة المميزة, كما كان زعيما شرقيا ومبدئيا، يأخذ مجتمعه بعين الإعتبار, وينفر من العمل الحزبي الضيق, ومع تنظيم صفوف الشعب. كان رافضا للاسلام السياسي رغم تدينه وإيمانه, ويفصل الدين عن السياسة، ويحترم كافة الاديان والمذاهب المنتشرة في كردستان. في المرة الاولى التي تشرفت فيها برؤيته, كان الاشخاص الذين يقومون بحمايته آشوريين وكلدان ويزيديين. وبعد توقيع اتفاقية 11 آذار, أسس- البارزاني- اتحاد العلماء المسلمين, لكن وجههم للابتعاد عن السياسة والاهتمام بالاعمال الاجتماعية والخيرية ..
كان- البارزاني- أول رئيس للحزب الديمقراطي الكردستاني, ولم يفصح يوما من الايام عن الافكار الماركسية او الليبرالية في ممارساته وتوجهاته, لكن كان يتميز دائما بطابع قومي كردستاني منفتح متسامح, ويولي اهمية كبرى للمجتمع الكردي, ومرتبطا بشعبه. بعد عام 1970 وتوقيع اتفاقية آذار التاريخية جئت لتهنئته, وفي المساء كنا مجتمعين في ضيافته ببلدة حاجي عمران, وهناك حوالي 40-50 شخص في مجلسه. قام شخص واشتكى من جفلان قطيع أغنامه وابقاره من تصرفات السائقين وحركة السيارات على طريق حاج عمران- كلالة, فما كان من- البارزاني- الا تناول الموضوع لأكثر من ساعة, وقال: يجب احترام مشاعر ورغبات ومصالح الناس, والتفت إلى الشهيد- فرانسو حريري- وأشار إليه بحل تلك المسألة اعتبارا من الغد وبشكل فوري ..
الخلافات التي ظهرت في صفوف البارتي منتصف ستينات القرن المنصرم, لم تكن شخصية كما يُشاع لكن فكرية, تتعلق بالافكار والمعتقدات والتوجهات والمواقف السياسية وكيفية التعامل مع الشعب وطريقة حل القضية الكردية في كردستان العراق. كان- البارزاني- زعيما لحزب هام جدا بات قاعدة وركيزة للحركة التحررية الكردية, ولم يهتم يوما بالسلطة ولم يمارسها ولم يكن يمارس سلطته حتى كرئيس للحزب ..
ثقافة منطقة بارزان التاريخية اثرت على فكر- البارزاني- بشكل كبير من حيث التسامح وقبول التعددية الدينية, وعندما زار المستشرق الأمريكي عن الكنيسة الانجليكانية- ويغرام- منطقة بارزان عام 1800-1801, رأى هناك ثلاثة اديان: المسيحية واليهودية والاسلام. التقى- ويغرام- قسا وسأله عن شيخ المسلمين في بارزان. لكن القس أجابه: إن كنت تقصد الشيخ- عبد السلام- فهو شيخنا وشيخ الجميع في هذه المنطقة. ثقافة التسامح لمنطقة بارزان هي المصدر الاول لفكر- البارزاني- وثوريته, فبارزان منطقة الثورات والتمردات ضد الانكليز والحكومات العراقية المتعاقبة, وكذلك علاقاته بتنظيم (هيوا). ويذكر رئيس اقليم كردستان- مسعود البارزاني- في كتابه "البارزاني والحركة التحررية الكردية" انه كانت هناك صلات مع الشيخ- سعيد-. ووصلت حركة خويبون الى منطقة بارزان وانتشرت في اربيل والسليمانية وبغداد, وكانت خويبون حركة قومية شاملة للاجزاء العثمانية الثلاثة من كردستان ..
تجليات فكر البارزاني
1- في 19-1- 1948 عقد كونفراس في مدينة باكو, حضره اكراد من ايران والعراق وسوريا. في هذا المؤتمر تحدث- البارزاني- للمرة الاولى عن المسائل السياسية والفكرية والفلسفية, ونص كلمته منشور في كتاب السيد- مسعود البارزاني- وفيها طرح استراتيجية الحركة التحررية الكردية, وميز بين اعداء واصدقاء الكرد في تلك المرحلة. اللبنة الاستراتيجية الفكرية الاساسية لفكر- البارزاني- بدأ من كونفرانس باكو, ويؤكد اغلبية المؤرخين انها كانت المرة الاولى التي يتطرق فيها- البارزاني- الى المجال الفكري, ويتحدث عن الشرق الاوسط والتحركات والصراعات الدائرة في المنطقة. وكانت برأيي محاولة لايجاد موقع للكرد في المنطقة, حيث لم يكن للكرد قبلها موقع ودور يذكر. كان- البارزاني- يحاول إفهام الاتحاد السوفياتي السابق, انه يوجد حوالي 20 مليون كردي- حينها- في الشرق الاوسط, ويمكنهم لعب دور هام في المنطقة, وانهم مرتبطون بالثورة العالمية، هذه الكلمة التي اصبحت ضمن وثائق أرشيف الاتحاد السوفياتي وخضعت للبحث والمناقشة ..
2 - المرة الثانية التي ظهر فيها فكر- البارزاني- كانت عبر مؤتمر- كاني سماق- في 15/4/1967 وبالصدفة كنت هناك في أول زيارة لي الى- البارزاني- والمناطق المحررة, وتابعت المؤتمر السياسي- العسكري لقادة قوات البيشمركة, واعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي, وحضور الراحل- ادريس البارزاني-. توجه الزعيم- البارزاني- إلى قادة البيشمركة وكوادر ومناضلي الحزب المؤتمرين في- كاني سماق- وقال لهم: انتم ابطال هذا الشعب وتفدونه بارواحكم, اتمنى منكم رعاية الفقراء وقبول النقد, فمن يعمل لاجل مصالحه الخاصة والشخصية, ليس له مكان بيننا ولاحاجة للكوردايتي به ..
عّرف- البارزاني- في هذا المؤتمر الكرد واوضح مطالبهم, وركز على اهمية العمل الجماعي, وهاجم بشدة الاغنياء الكرد الذين كانوا لا يساعدون شعبهم, وكان يقول, انني لست زعيما لأحد لكنني خادم لشعبي. كما تحدث عن معنى التقدمية بعيدا عن الشعارات البراقة, قائلا: ان التقدمي هو من لا يظلم شعبه ولا ينهبه ويحافظ ويصون كرامته. وانتقد بشدة المسألة الحزبية الضيقة وقال: "لم اخن احدا طوال عمري, ولا أقبل أن يخونني أحد. تنظيم صفوفنا ركيزة تفوقنا, ونحن نخوض صراع البقاء أو العدم. يجب عدم اهانة راعي قروي أو امرأة ." وتابع: " قلتها في 1945 وفي عام 1948 وفي 1960 وأكرر الآن وأقول, أن لاخلاف ولا صراع بيننا وبين الشعب العربي. الكرد والعرب اصدقاء واخوة لكن صراعنا مع الانظمة والحكومات, ونطالب بتشكيل حكومة ديمقراطية ولانهاجم أحدا وندافع عن انفسنا, فالحزب وسيلة وليس غاية بحد ذاتها .."
كان- البارزاني- صاحب فكر وتوجه واضح وباديا للعيان, وثورة ايلول والحكم الذاتي والفيدرالية شواهد حية على فكره و توجهه, على عكس الكثير من القادة والزعماء الاخرين, كان الجانب العملي الميداني لدى البارزاني أكثر بروزا من الجانب االنظري ..
بعد موت ستالين وادانته في عهد زعامة- خروتشوف-, تم استدعاء- البارزاني- الى موسكو, حيث كان قبلها في بلدان القوقاز. في موسكو كان- البارزاني- يذهب مرات عديدة الى المدرسة الحزبية. في تلك الفترة ذهب- البارزاني- الى المدرسة الحزبية, وكانت هناك محاضرة لـ - خالد بكداش- وهو كردي الاصل وسكرتير الحزب الشيوعي السوري حتى رحيله. بعد انتهاء المحاضرة التقى الرجلان, وقال- البارزاني- لـ - بكداش- انك قلت ضمن محاضرتك انك شيوعي اولا, وثم كردي او عربي اليس هذا خطأ؟ اعتقد انك كردي قبل كل شي وثم شيوعي, وحدث خلاف ونقاش حاد بينهما, وانقطع- البارزاني- عن زيارة المدرسة الحزبية ..
كان- خروتشوف- يكن الكثير من الاحترام- للبارزاني- وكان صهره- ادجوبي- رئيس تحرير صحيفة البرافدا, وعرف منه الموضوع وبعثه الى- البارزاني- وقد سمعت هذه الواقعة منه شخصيا, وقال له انه حصل خلاف بينكم وبين- بكداش- ونريد عقد الصلح بينكما, واكد- خروتشوف- ان موقف- البارزاني- كان صائبا, في حين أيد سوسلوف منظر الحزب, موقف- بكداش- وذلك مراعاة للتوازن وتحقيق الصلح ..
كان الشيوعيون الكرد في سوريا والعراق, وحزب تودة في ايران وتركيا, بغالبيتهم وليس كلهم حين ينتسبون لتلك الأحزاب, يدعون بالأممية بطريقة كوسموبوليتية, ومازالت ترسبات هذه المشكلة الفكرية قائمة بين الحركة الكردية والاحزاب الشيوعية في تلك البلدان. حين كان- البارزاني- في موسكو, حضر الشاعر الكردي- قدري جان- مؤتمر الشبيبة العالمي ضمن صفوف الحزب الشيوعي السوري, والتقى البارزاني عن طريق الكاتب والمثقف الكردي السوفياتي- قناتي كوردو-. طلب منه- البارزاني- باعتباره شاعرا القاء قصيدة, فقرأ- قدري جان- احدى قصائده التي لازمتها (كعبتنا موسكو). انزعج- البارزاني- وقال له, لماذا لا تكون ديار بكر او مهاباد او السليمانية أو القامشلي كعبتك؟ وحصل خلاف بينهما, وبعدها حين كنت في سوريا التقيت بـ - قدري جان- وبعد عام 1958 ذكر انه يريد إراحة ضميره والاعتذار- للبارزاني- الخالد بطريقته, فكتب قصيدته الرائعة (بارزاني هات شيري ولات بارزاني) -جاء- البارزاني- جاء أسد الوطن- واتى الى بغداد وقدمها له كهدية ..
كما قلت سابقا كان خلافات- البارزاني- مع الاخرين فكرية وليست شخصية, فحين كان- عصمت شريف وانلي- ممثلا للثورة الكردية في اوروبا, ابعده- البارزاني- عن التمثيل بسبب علاقاته مع بعض الاوساط التي لم تكن صديقة للكرد, وهذه قضية سياسية تتعلق بالنهج والخط لكل شعب ابطاله في مجال الفكر او النظرية وفي مجال العمل الواقعي والميداني. فهناك أبطال الفكر وأبطال الفعل,- البارزاني- جمع هذين الجانبين في شخصيته ليصبح رمزا من رموز الشعب الكردي ..
نعم, بهذه الرؤية عرفنا نهج- البارزاني- وعلى ضوئها نتعامل مع حزبه وحملة رسالته القومية الديموقراطية من الأبناء والأحفاد .
من دواعي اعتزازي, أنني من أوائل الذين اكتشفوا نهج- البارزاني- من الناحية النظرية, وعملت منذ لقائي به على مرحلتين خلال الثورة (1967) وبعد السلام (1970) على التحقيق في الأمر, وجمع المعلومات والوثائق والاطلاع على الوقائع والأحداث من معاصريه, وخاصة من لقاءاتي بالراحل- كاك ادريس- ومن كتب الرئيس- مسعود- وجلسات اللقاء به, هذا الكنز الدفين المليء بالمعلومات. حيث كنت أدون الملاحظات الرئيسية الجوهرية, بعد كل جلسة مع- كاك مسعود- ومن دون أن أشعره بذلك. اضافة الى كتب الرحالة والمؤرخين الأجانب والكرد والعرب والايرانيين, ومواكبة التطورات في عقود كاملة, الى أن توصلت الى صياغة ذلك النهج وتحديد أسسه النظرية, ومصادره وتحولاته ومؤثراته ودعائمه التاريخية, وتجلياته السياسية والثقافية والاجتماعية ونتائجه الميدانية. ولاشك أنني أعتبر ذلك جزءا هاما من رصيدي الفكري والثقافي القومي والوطني .
ولنردد ماقاله شاعرنا الكردي السوري قدري جان :
شير هات ولأت شيرهات وةلأت
مزكين مزكين لوه بارزاني هات
