بين بيان الانتصار العسكري وتجاهل الحقيقة
لم يصدمني موقف السيد العبادي حين تجاهل ذكر بطولات الپێشمهرگة في بيان الانتصار، كون السيد العبادي حمل جنوده ليقاتلوا الپێشمهرگة، الذين اثبتوا للعالم مرة اخرى ومن خلال ثباتهم في ساحات الوغى، بأن الوجوه تختلف والفكر واحد.
كنا نتمنى ان نعيش جميعاً في دولة مدنية تحترم حقوق الاخر المختلف، وهذا هو سبب عودة الكورد الى بغداد في ٢٠٠٣ حيث كنا نؤمن بأن عصر الأنظمة الشمولية قد انتهى، وأننا سنبدأ عصراً جديداً يضم العراقيين جميعاً تحت خيمته مع احترام خصوصياتهم اللغوية والثقافية. الا ان ماحدث بعدها بسنوات من خرق لمواد الدستور جعلنا نعيد النظر في علاقاتنا من جديد.
فما كان منا الا ان نعيش بسلام او نفترق بسلام. وهذا هو المطلب الوحيد للشعب الكوردي الذي لم يفهمه الاخر حد هذه اللحظة. فالعيش بسلام صار تملكاً وعبودية يرفضها الكورد، في حين تحول الاستفتاء على الانفصال بسلام وديمقراطية الى جريمة يعاقب عليها الكورد!
ومع كل دعواتنا للحوار الذي تجاهلته بغداد عن عمد، نجد بأن الهوة تتسع يوماً بعد اخر، بسبب تصرفات أبسط ما يقال عنها انها لا يمكن ان تصدر من رئيس وزراء يفترض انه ينظر بعين التساوي لكل فئات شعبه.
إن بيان النصر عسكريّ فقط، اذ مازلنا نعيش ارهاباً فكرياً يحدق بأبناء هذا البلد، إن لم نسع جاهدين الى بناء دولة مواطنة حقيقية. فإذا كانت الحاضنة الفكرية فاعلة فإن التنظيمات يكون امر تشكيلها وارداً في أي وقت، لتهدد أمن الشعب واستقراره.
ولدرء هذا الخطر علينا جميعاً مواجهة ذلك والعمل سوية من اجل الشعب الذي لايمكن ان يتم تجاهل فئة منه ومعاقبته لأنه طالب بحقوقه المشروعة.
كم كنت أودّ لو خرج رئيس جمهورية العراق وحامي دستورها بخطاب مايسمونه بالنصر ويذكر فيه الپێشمهرگة لأسباب كثيرة منها: ليثبت بأنه مع قضية شعبه حيث كان هو مقاتلا في الپيشمركة ويفترض انه يعرف كيف يكافيء مقاتلي الجبال، تلك القوة المناضلة التي قارعت الظلم والطغيان لعقود طويلة. والسبب الاخر ليقول لذوي الشهداء الذين ضحوا بدمائهم من اجل كوردستان بأن المناصب والمراتب ليست أثمن من القضية التي ناضل هو نفسه من أجلها في سنواتها الاولى.
اذا كانت الپيشمركة قد تشكلت في عشرينات القرن الماضي، الذي يساوي سنوات عمر العراق الحديث، فإنه خلال كل تلك العقود الماضية لم تسجل حالة خرق واحدة في صفوف مقاتليه من الكورد او الكوردستانيين، وبقي ملتزماً بتلك الأخلاق النبيلة التي جعلت المدن الاخرى تطالب ببقاء الپێشمهرگة بدلا من قواتها الاخرى في كثير من الأحيان. ولن اسرد هنا تفاصيل تشكيل هذه القوات الوطنية المناضلة، بل أَجِد لزاماً ان أذكر الحقائق التي كنا شهوداً عليها، فحين دخلت داعش الى مدينة الموصل، هربت قطاعات الجيش بمختلف صنوفها تاركة اسلحتها لهذا التنظيم، الذي وجد نفسه في مواجهة مع الپيشمركه فقط، لتكون بذلك القوة الوحيدة النظامية التي قاتلت داعش بإسناد من التحالف الدولي وبشهادة الأعداء قبل الأصدقاء، الذين ذكروا بسالة وصمود الپێشمهرگة. ولقد حافظ الپيشمركة على الاراضي التي حررها من الارهاب والارهابيين، ومن الحروب الطائفية والمذهبية وخاصة في مدينة كركوك التي ما ان اخرج منها الپێشمهرگة حتى نسمع ونرى كل يوم مايحدث فيها من خروقات تعبث بأمن المدينة وامان أهلها. سيبقى أسم الپيشمركة عنواناً للمقاتلين الرابضين على سواتر التحدي والنضال، ويبقى عنواناً للبسالة والصمود حتى وإن أنكره الآخرون، لأن التاريخ سيكتب ذلك بماء الذهب على صفحاته الخالدة .
