• Monday, 02 February 2026
logo

لهذه الأسباب أؤيد استفتاء استقلال كوردستان

لهذه الأسباب أؤيد استفتاء استقلال كوردستان
بقلم نيرڤانا محمود*

في عام 838، ثار قائد كوردي اسمه مير جعفر داسني في الموصل ضد الخليفة المعتصم. وبعد سلسلة مواجهات مسلحة بين العرب والأكراد في أراض وعرة، انتصر إيتاخ وهو أحد قادة الخليفة (من غير العرب)، في الحرب وأعدم الكثير من الأكراد، بيد أن مير جعفر داسني انتحر ليتفادى الاعتقال.

ربما لا يعلم الكثير من المعارضين لاستفتاء كوردستان العراق شيئا عن الصراعات التاريخية في العصور الوسطى، لكنهم من دون شك يتمنون أن يعيد التاريخ نفسه وينهزم الكورد مرة أخرى، لكن هذا مستبعد. كثرة أعداء كورد العراق وحدتهم في تأييد الاستفتاء. فهم لم يكونوا قط طيلة تاريخهم أكثر تركيزا وتصميما كما هم اليوم.

من السهل الالتحاق بجوقة المعارضين للاستفتاء الكوردي؛ مع ذلك، قررت بتواضع الوقوف إلى جانب الأكراد الشجعان في سعيهم لتكوين دولة، لعدة أسباب:

أولا، لأنها قضية عادلة.

رغم أنني نشأت في مصر، وبدأت متابعة التطورات السياسية الإقليمية في سن مبكرة، لم أسمع قط كلمة "كورد"، إلا بشكل عابر حين ذبحهم صدام حسين بالأسلحة الكيميائية في حلجة عام 1988. ومع ذلك، يسيء كثيرون من العرب إلى الكورد ويصورونهم على أنهم عملاء لقوى خارجية. خلال سفراتي الأخيرة إلى سورية وإيران وتركيا صُدمت حين تكشّف لي حجم الإساءة، بل العنصرية، التي تمارس ضد الكورد. لقد سقطت القوى الإقليمية أخلاقيا باضطهادها المتكرر للكورد، ولهذا لا تملك الحق في إلقاء المواعظ عما يجب أو لا يجب أن يفعله الكورد.

ثانيا: لن يكون هناك "الوقت المناسب".

لقد تأجل الاستقلال الكوردي عدة مرات، حلم صبروا على تحقيقه خلال المئة عام الماضية، ولكن يبدوا أن انتظار قرن من الزمن ليس كافيا، فيُطلب من الكورد تأجيله مرة أخرى. القول إن "التوقيت ليس مناسبا"، واحد من المبررات التي تساق لتبرير رفض الاستفتاء. على كل حال، لقد تعلم الكورد من نضال مئة عام من أجل الاستقلال درسا واحدا: لن يكون هناك "وقت مناسب". القومية الكوردية ليست السبب وراء هشاشة الأوضاع في العراق وسورية، والتي ستبقى على ما هي عليه بصرف النظر عن تطلعات الكورد. إلقاء اللوم على الكورد أو مطالبتهم بالانتظار مجرد ذريعة لتأجيل المحتوم.

ثالثا: كوردستان مستقلة عامل توازن.

في ظل حالة التنافس التي يشهدها الشرق الأسط، بتسابق إيران وتركيا والسعودية على القوة والهيمنة؛ بإمكان كوردستان مستقلة أن تكون منطقة عازلة لوقف المطامح النارية لكل من تركيا وإيران اللتين رفضتا الاستفتاء بشدة. وقال العراقي المؤيد لإيران نوري المالكي نائب رئيس الجمهورية: "لن نسمح بإيجاد إسرائيل ثانية في شمال العراق". ونشرت وسائل إعلام تركية مؤيدة للرئيس أردوغان أخبارا كاذبة مفادها أن جماعات كوردية عقدت اتفاقا سريا مع إسرائيل لتوطين يهود في الإقليم. صحيح أن إسرائيل تدعم الاستفتاء، لكن لدى الكورد أسبابا أقوى وأعمق لتحقيق تطلعاتهم نحو الاستقلال بصرف النظر عن الدعم الإسرائيلي.

في الشرق الأوسط، لا ينظر إلى الكوردي بإيجابية إلا إذا كان مستعربا أو متأسلما، أما الكوردي القومي فهو "سيئ" على الدوام. تشويه صورة الكورد لا تعكس إلا بشاعة كل الأيديولوجيات السائدة في المنطقة، سواء أكانت أسلامية بفروعها السنية والشيعية، أم قومية عربية. لهذا السبب تحديدا أقف، كليبرالية، ضد هذه البشاعة وأؤيد الاستفتاء.

بعيدا عن سيرك الاستفتاء، أدعم حق الكورد بتقرير المصير. لكن هذا الدعم مشروط إذ أنني آمل أن يتبنى الإقليم قيما أكثير ليبرالية وتقدمية. أتطلع إلى إدارة أقل استبدادا وأكثر شمولية في كوردستان يكون من شأنها كسب ود العرب والتركمان الذي يعيشون تحت سيطرة الكورد. أنا على ثقة أن الكورد سيقدمون نموذجا إيجابيا للبقية في المنطقة، وآمل ألا يخونوا ثقتي.



*مدونة وطبيبة مصرية. بدأت التدوين في شؤون الشرق الأوسط بعد ثورة الـ25 كانون الثاني/يناير. تكتب في مواضيع تتعلق بمصر وبحقوق المرأة والإسلام الليبرالي.

ساهمت بكتاباتها في عدة صحف كالتليغراف والأهرام وديلي نيوز إيجيت، وتم ترشيحها عام 2015 لجائزة سمير قصير لحرية الصحافة.
Top