• Tuesday, 03 February 2026
logo

حـــول استحقاقات رفــــع العلم الكوردستاني في كركوك

حـــول استحقاقات رفــــع العلم الكوردستاني في كركوك
( 1 - 2)
احمد ناصر الفيلي
مع قرار مجلس محافظة كركوك برفع العلم الكوردستاني الى جانب العلم العراقي فوق المؤسسات والمباني الحكومية، تصدرت ذات النغمة النشاز على الإيقاع القديم برغم دستورية السلوك والموقف، والسؤال الذي يبقى يتردد، لماذا هذا الضجيج من بعض الذين يهوون التصيد بالماء العكر امعاناً في مسلك الفتنة؟! لمنع كل خطوة تعزز السلام الأهلي والبناء السياسي، إن هذا العدد الضئيل لا يريد لهذه المحافظة الاستقرار والتقدم بعد رحلة مظالم كثيرة طالتها منذ عقود طويلة لغاية في نفس يعقوب.
أصدر البرلمان الاتحادي لاحقا قراره بعدم رفع العلم الكوردستاني في جلسة قاطعها الكورد، وانفرد بها المجلس على طريقة الاغلبية التي يريد بها سنّ سُنّة جديدة تذهب بالدستور وايامه في خطوة غير دستورية، فالدستور لم يتطرق الى موضوع العلم والمحافظة مشمولة بأحكام المادة الدستورية(140)، والسؤال الملح هنا لماذا سكت البرلمان الاتحادي طيلة السنوات المنصرمة ولم يحاسب الحكومة على مماطلاتها في تنفيذ مادة دستورية تخص صميم مصالح الشعب الكوردستاني وتسهم في حل واحدة من المشكلات المعقدة في البلاد بعد ان حدد سقفاً زمنياً لتنفيذها بنهاية عام2007؟!.
ملّ الشعب الكوردستاني من المماطلات والوعود الحكومية المتكررة، التي لم يجنِ منها سوى الكلام، كما أن مسلسل الوعود الحكومية يحتل ذكرى سيئة في الذاكرة الجمعية له، فطوال سنوات كفاحه وتصدّيه لمختلف الأنظمة الشوفينية لم يحصل سوى على الوعود المزيفة.
إن الشعب الكوردستاني ليس على استعداد للمضي قدما بمشروع البلاد السياسي بعد ان فرغ من ابعاده الحقيقية في التوافق والشراكة، فهذا المشروع لم تجن منه البلاد سوى كوارث الفساد والبطالة والفقر والفاقة والإنهيارات الجليدية على مستويات مختلفة حتى غدا في ذيل قوائم المنظمات الدولية التي تصدر نشراتها السنوية، وقد ضاعت طوال عهود الدولة العراقية فرص التقدم للشعب الكوردستاني الذي كانت حصته على الدوام الحرب والتشريد والقمع والتعريب والتنكيل بأبنائه، مثلما كانت له حصة الاسد في التضحيات لإسقاط دكتاتورية النظام السابق وإقامة النظام الجديد الذي يريده بعضهم أن يكون على مقاسات الماضي برغم انف التضحيات ودماء الشهداء، وقطعا ليست هناك فرصة للمزيد.
كان التعامل مع الدستور في السنوات الماضية بعد اقراره وفي مختلف القضايا بطريقة انتقائية ومتناقضة، وهو الذي اوصل البلاد الى ماهي عليه اليوم وبما لا تحسد عليه، التجربة السياسية تحولت الى مشروع سلطة بعد تجميد الدستور عمليا.
كثير من المواقف مرت في السنوات المنصرمة، في بعضها تعرض اقليم كوردستان الى قصف حدوده من الجيران، فيما ران صمت اعلامي مطبق مع هنات من اصوات ضعيفة ارادت النيل من الاقليم، برغم وحدة المصير السياسي المشترك والتجربة القائمة افتراضا على الشراكة والتوافق والمفاهمات. رفع العلم مطلب من مطالب اهالي المدينة التي يعد فيها الكورد اغلبية مؤكدة بحقائق الجغرافيا والتاريخ والوقائع وسنتطرق الى ذكرها لاحقاً في سياق الحديث عن هذه المدينة المظلومة.
احتلت كركوك صلب القضايا الجوهرية التي ناضلت في سبيلها الحركة التحررية الكوردية لعشرات من الاعوام وقدمت فيها تضحيات كثيرة من الدماء والآلام، فقد كان يراها البارزاني الخالد قلب كوردستان النابض، واحتلت قضيتها المادة (140) من بنود اتفاقية آذار لعام 1970 مع النظام السابق الذي تنكر لها، ليمارس عوضاً عن تنفيذها ابشع سياسات التطهير العرقي والتغيير الديموغرافي من ترحيل وتهجير وتغيير اسماء مدن ومحلات واحياء حتى المقابر لم تسلم من الجريمة، وكل هذه الممارسات ادت الى اندلاع نيران الثورة مجدداً عام1974.
اجتمع لهذه المدينة الكوردستانية في تاريخها وقدرها الحديث، نقيضان الغنى والفقر والحلم والألم في آن، فهي بحكم ثرواتها المعدنية والطبيعية والحيوانية تعدّ واحدة من أغنى مدن العالم، لكنها تعدّ أيضاً من أفقر المدن لبؤسها وتخلفها الحضاري وكلها على وفق مؤشرات الغنى والفقر وتلك مزية قصتها الأكثر مأساوية.
ليت الإنسان يمتلك قدرة النسيان أحيانا اذ ان بعضاً مما يثقل من الأمور يؤرق المرء ويعيقه عن التفكير والتطلع الى الأمام، برغم أنّ هنالك بحكم الضرورة والطبائع والتاريخ، من الأمور ما ينبغي تذكرها حية في الذاكرة الجمعية حتى العثور على أجوبة شافية ومنها الجرائم بحق البشرية التي لا تستقر النفس البشرية ازاءها ولا تهدأ، الا بعد إنزال العقاب العادل بمرتكبيها او الإعتذار العلني منها ومن الجهات الرسمية المسؤولة عن وقوعها. فالجرائم والاعتداءات والخروقات والانتهاكات لابد من التنديد بها ومعالجة آثارها، و ينبغي ألّا ينسى الشعب قضايا أساسية تنتظر التسوية والحل.
تتميز كركوك بثرواتها الوفيرة بشرية ومعدنية وطبيعية وحيوانية من نفط وغاز وكبريت وموارد زراعية وحيوانية، فضلا عن احتوائها على العديد من الآثار التاريخية المعروفة والقلاع، وتنتشر العديد من السهول والجبال والتلال ومنابع المياه في ربوعها بسكانها المولعين بالزراعة والكد، أما مناخها فهو معتدل جميل شتاءً وربيعاً وخريفاً وليالي صيفها معروفة في ذكريات السكان وزائريها على حد سواء. تتصل شمالاً وشرقاً بسلسلة جبال زاكروس ما يمدها بمناطق جبلية ذات تعبير سياحي أخاذ. كل هذه الموارد الطبيعية والبشرية فتكت بها ريح السياسات العنصرية في عقود طويلة من الاعوام ولاسيما النظام السابق الذي ما انفك يثير النعرات السياسية والاجتماعية بين جوانح السكان فضلا عن ابشع سياسات الترحيل والتهجير القسري بدلاً من العمل على خدمة الأهالي وتحسين أوضاعهم فانتشرت جراء تلك السياسات البغيضة أنواع من سموم الأحقاد والضغينة وهواجس الشكوك التي جعلت سكانها يخافون من بعضهم فضلا عن ضياع كل فرص الحياة الحرة الكريمة والتعايش الأخوي، لتتحول المدينة إلى ركام مهمل تفتقر الى أبسط الخدمات ليضيع وجهها الجميل في الصومعة الشوفينية المقيتة.
كان الواجب الأول لعراق ما بعد الدكتاتورية (2003) وما تلاها إعادة الثقة والاطمئنان والاعتماد والتعاون بين السكان الأصليين وتوفير إمكانيات حقيقية للتعايش السلمي الأخوي وإقامة العدل والمساواة حتى يشعر الجميع بأن المدينة مدينتهم وأن استقرارها وتقدمها استقرارهم وتقدمهم، إلا إن ما يؤسف له وضع العصي في عجلات الحلول برغم المادة الدستورية (140)، التي تنص على إعادة الحقوق لها ولأهلها انصافاً لما لحقهم من جور، والحقيقة إن الأحزاب والقوى الكوردستانية المتواجدة في الساحة الكركوكية، عملت ما بوسعها من أجل تعزيز المسار الأخوي وبناء مصير مشترك قائم على التوافق والتفاهم، لكن الايدي الخفية التي تريد تحريك بوادر الفتنة، حاولت إعاقة مساعي بناء الجسور والثقة وهي لا تستطيع أن تقوم بشيء ازاء العقول الواعية التي تقبرها بالحكمة والعبرة من الأمس القريب.
جعلت السياسات العنصرية للنظام السابق معظم سكان المدينة في دوامة الرعب والخوف وعدم الاستقرار، الأمر الذي ترك آثاره السيئة على الحياة الاقتصادية للمدينة، فالمواطن الكوردي كان يرى نفسه غريبا ومواطنا لا يعرف درجته في سلم التمييز العنصري والتطهير العرقي، وكذلك المواطن التركماني وغيرهم من شرائح سكانها الذين جعلتهم الأوضاع المفروضة لا يهتموا إلا بشؤونهم الخاصة الضيقة المحدودة على حساب مصائرهم ومستقبلهم ومتطلبات العيش المشترك، وطالت هواجس القلق حتى المواطن العربي الساكن فيها منذ سبعة عقود حيث هو الآخر يرى الصراع الحاد بشأن هوية المدينة ومستقبلها، فما استطاعت ذهنيته أن تستقر لتقديم خدمة تهم الجميع، وهكذا الحال مع بقية الطوائف والأديان. عمد النظام السابق الى خلخلة أوضاع المدينة اجتماعياً كي يفرغ المحتوى الاجتماعي القائم على الثقة والمحبة والتعاون الى عدمه، فمعظم سكان كركوك انكفأوا على انفسهم وكأنهم في غير مدينتهم فلم تكن هناك من مساع جمعية تسوق نظرة عامة لمستقبلها.
Top