دولة كردستان....دولة الضرورة
استنزفت منطقة الشرق الاوسط، ولا سيما الدول التي قُسمت عليها كردستان، كثيراً من طاقاتها البشرية والاقتصادية، وفرصها التنموية جراء ترك القضية الكردية متروكة دون حل، وارتد تفضيل الخياري العسكري على الحل السلمي، وعدم الاعتراف بالهوية القومية الكردية وإعطاء الكرد ما يطالبون بها، على كثير من هذه الدول وحكوماتها، وكان سبباً مباشراً بعض الاحيان، وغير مباشر أحيان أخرى في الاطاحة بحكومات، واندلاع حروب، وغزو والقطيعة الدبلوماسية والاقتصادية بين دول شرق أوسطية محورية كتركيا وإيران والعراق وسوريا، وأضاع من بين أيادي هذه الدول الكثير من فرص التعاون والتقدم والرخاء. لو أُنصف الكرد في سايكس-بيكو، وفي محطات مفصلية أخرى، وحُلت قضيتهم، و القضية الفلسطينة، لكان وضع المنطقة، ونظامها الاقليمي أحسن حالاً، وأكثر استقراراً، ونمواً، ولما وصلت إلى الحالة الكارثية التي ترثى لها الآن.
إنَّ القضية الكردية وخصوصاً في كردستان العراق تعيش الآن في ظل التغييرات التي طرأت في المنطقة، بدءاً من تداعيات انهيار الاتحاد السوفياتي، وحرب الخليج الثانية، وتغيير خارطة أوروبا بعد انهيار جدار برلين، والحرب اليوغسلافية، وبعدها البلقانية، ثم حرب الخليج الثالثة ودخول الولايات المتحدة الامريكية للعراق، وصعود تيار الاسلام الراديكالي في المنطقة العربية والاسلامية، وبعدها أحداث الربيع العربي، وأخيراً الحرب السورية، كل هذه التغييرات جعلت من القضية الكردية في حال أفضل، والكرد في موقع إقليمي رئيس، يُحسب لهم حساب، ويكون لهم قول وفعل في حل قضايا وصراعات المنطقة.
يقول لنا التاريخ: أنَّ اي تغيير في خارطة أوروبا وجغرافيتها السياسية، سوف يرتد على منطقة الشرق الاوسط، وأنَّ الحروب هي التي تصنع دول وليدة، وخرائط جديدة، وقد لاحظنا هذا بعد حربين العالميين، الأولى والثانية. إنَّ هذان العاملان متوفران بقوة في واقع الشرق الاوسط الراهن، وكل الدلائل والمؤشرات تشير إلى تغييرات جيو- سياسية جوهرية في خارطة هذه المنطقة. السؤال المهم هو، ما هو موقع الكرد في هذه التغييرات؟؟
تمر القضية الكرد في سوريا والعراق، خصوصاً في إقليم كردستان العراق بمرحلة سياسية متميزة لا توجد مثيلة لها في التاريخ المعاصر، فكل مقومات الدولة، من القوة العسكرية النظامية والبنى التحتية والاستقلال الاقتصادي والسياسي والتمثيل الدبلوماسي والعلاقات مع عواصم القرار في اوروبا واعضاء المجلس الامن الدائميين والولايات المتحدة الاميريكة، حاضرة بقوة، وساعدت المشاركة الكردية الفعالة والمؤثرة في الحرب الكونية على تنظيم (داعش) الارهابي في تحصين الموقع الاقليمي للكرد وتقويته، واستطاعت القيادة الكردية استثمار انتصاراتها على (داعش) عسكرياً، من خلال حصولها على مساعدات عسكرية ثقيلة لم يحصل عليها من قبل، ودبلوماساً، من خلال تطوير العلاقات وتقويتها مع القوى الدولية الفاعلة على الساحة الدولية، والتي ستكون لها القول الفصل في تطريز خارطة الشرق الاوسط الجديدة.
إنَّ قيام دولة كردية في كردستان العراق ضرورة اقليمية ودولية وتاريخية لمجموعة من اعتبارات جيوسياسية واستراتجية تتعلق بمستقبل منطقة الشرق الاوسط وتوازن القوى فيها، وبأمن اوروبا، وبمحاربة الجماعات الاسلامية المتطرفة في المنطقة واحتواء خطرها، لذا فإنَّ قيامها تخدم المنطقة والعالم لهذه الاعتبارات الاستراتيجية:
أولاً: تحل جزءاً من مشكلة طويلة وعويصة طالما كانت سبباً في عدم استقرار المنطقة، وحروبها وصراعاتها، وهدر طاقاتها البشرية والاقتصادية وفرصها التنموية، وتنزع احتمالات فتيل اندلاع حرب اتنية شاملة تكون اضرارها اكبر وانعكاساتها اعمق مما سبق.
ثانياً: تعيد التوازن إلى المعادلة الاقليمية المختلة التي كانت مبنية على توازن القوى بين السنة والشيعة، بعدما اختل هذا التوازن بسبب الاطاحة بنظام البعث في العراق من قبل الولايات المتحدة الاميركية، وبروز دور الايران الاقليمي وتربعها وتمددها في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين.
ثالثاً: تقطع الهلال الشيعي التي هي في نهاية طور تشكيلها، التي تبدء من إيران، مروراً بالعراق والشام وصولاً للبنان، وتحاصر دول الخليج والاردن، وتضعف دور تركيا الاقليمي، لذا فقيام دولة كردية تخدم المصالح الخليجية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، والجمهورية التركية، وتكون بمثاية حامي لسنة العراق بعدما وصلوا لمرحلة ليست بمقدورهم حماية أنفسهم، وحتى دول الخليج لم تستطع التدخل لنصرتهم. لكن النقطة المهمة في هذا الاعتبار الاستراتيجي هو الا تُدخل هذه الدولة الكردية الوليدة نفسها في هذا الصراع المذهبي، وألا تكون جزءً منه، فيجب أن تنبع تعاملها مع هذا الموضوع من منظور كونها أصبحت قوة اقليمية ناشئة لها ثقلها في توازن المعادلة الاقليمية أو اختلالها.
رابعاً: تكون مانعاً وفضاءً بين دول وحضارات طالما تقاتلت، ولا زالت تصارع فيما بينها بسبب خشيتها من قوة الآخر وتمددها، فالعرب ينظرون بتوجس وخوف إلى قوة الايرانيين، والفرس لهم نفس هذه النظرة التاريخية المشكوكة للعرب، والاتراك نفس الشي، لا ثقة لهم بالفرس والعرب، فكل واحد ينظر بعين الشك وعدم الارتياح لنوايا الآخر، ويرى من قوة الآخرين الاقتصادية، والبشرية، وموقعهم الجغرافي تهديداً آنياً واستراتيجياً له، لكن قيام دولة كردية في موقعها الجغرافي المغلق، و بامكانياتها البشرية والاقتصادية والعسكرية المحددودة مقارنة بامكانيات الاطراف الثلاثة الاخرى وقوتها، لا تشكل عامل خطر على اية واحدة من هذه القوى، وبامكانها وأد كثير من المخاطر المستقبلية التي قد تنشأ بين هذه القوى المتجاورة والمتلاصقة الآن.
خامساً: تؤمن لخزان الطاقة العالمي والاقتصاد الدولي مصدر طاقة جديدة، تشارك إيجاباً في نمو الاقتصاد العالمي، لما تمتلكها الدولة المرتقبة من احتياطات نفطية وغازية ومواد ومعادن صناعية اخرى هائلة، وبإمكان جعل دول الاقليم، خصوصاً إيران وتركيا اكثر المستفدين من الثروة النفطية، واوروبا من الطاقة الغازية الكردية، من خلال انضمامه إلى مشروع، أو نادي (نابوكوم) المُنشأ لسد حاجات أوروبا الغازية.
سادساً: تؤمن لأوروبا وأميركا والقوى الاخرى المناهضة للارهاب الديني والجماعات التكفيرية الاخرى المعادية للغرب والنظام العالمي الجديد، سلطة سياسية وعسكرية، لها كيانها السيادي المعترف بها وفق القانون الدولي، في محاربة هذه الجماعات واحتواء أخطارها، قبل وصولها إلى العمق الاوروبي، دون مشاركة مباشرة لها، عن طريق إرسال القوات أو العمليات العسكرية في ارض المعارك.
سابعاً: تؤمن منطقة آمنة وواحة مستقرة للاجئيين، والذين يُهجرون من مناطق سكناهم في الدول المجاورة بسبب الصراعات المذهبية أو الدينية أو الاتنية، خصوصاً الاقليات الدينية كالمسيحيين، فتوفر لاوروبا واميركا الكثير من الجهد، وتبعد عنها الكثير من المخاطر والقلاقل التي سببتها لها موجة المهاجرين من العراق وسوريا إليها.
ثامناً : يجد الغرب ومن يدور في فلك النظام العالمي الجديد شريكاً حقيقياً لها في منطقة الشرق الاوسط، فما قدمه إقليم كردستان العراق في الفترة السابقة من ثقافة التسامح واحترام حقوق الاقليات والانسان والعيش المشترك، يعتبر نموذجاً فريداً في منطقة لا تزال بعيدة كل البعد عن الديمقراطية الحقة، وموبوءة بالصراعات والتمييز العنصري والاتني، فتكون طينة هذه الدولة من طينة النظام العالمي الذي يستند ركائزه الاساسية على الديمقراطية، واحترام حقوق الانسان.
اخيراً، من التسطيح من يظن أنَّ استقراراً وسلاماً ستحلان في المنطقة بدون حل القضيتين الكردية والفلسطينية، وقيام دولة كردستانية في كردستان العراق، فلا آمان، ولا سلام للمنطقة دون انصاف الكرد في هذه المحطة المفصلية في تاريخ العالم والمنطقة، وأنَّ محاولة اجهاض قيام دولة كردية في كردستان العراق، وعدم تلبية مطالب الكرد القومية في إيران وتركيا وسوريا، تترتب عنها مخاطر استراتيجية في المديين القريب والبعيد.
هاوزين عمر
