طارق كاريزي: الكرد والتعددية
الثقافة السياسية في دول الشرق الاوسط هي ثقافة احادية الغائية واستعلائية الى حد ما، وهي على نفس المنوال من حيث الممارسة والتطبيق. فدول هذه المنطقة لا تعترف بتعددية الهوية الوطنية للاثنيات المختلفة، بل هناك حالة من التهميش القسري ضد المكون الآخر من خارج مكون مالك السلطة والممسك بزمامها.
وللتوضيح نتناول بعض الامثلة ونشير الى نماذج تطبيقية من ثقافة الاقصاء والالغاء المتبعة في بلدان الشرق الأوسط. سوريا التي تعرف رسميا باسم الجمهورية العربية السورية، ففي هذه التسمية دلالات وشكوك. فالدلالة الابرز من وراء الصاق صفة العروبة بالبلد، يعني بكل بساطة الغاء المكونات الاخرى، اثنيات عرقية ودينية ومذهبية وثقافية، أو تهميشها على أقل تقدير. والتسمية من زاوية اخرى تحمل في طيّاتها شكوكا حول هوية البلد. وجاءت صفة العروبة للتغطية على شكوك من لا يعتقدون يقينا وبالشكل الذي يتطابق مع الواقع بكون البلد عربيا بالخالص. لأن واقع الحال يؤشر الى اثنيات رئيسة (العرب السنة، الكرد، العلويون، المسيحيون، الدروز) واخرى ثانوية. عليه سعت النخب السياسية والقوى التي حكمت البلد الى فرض هوية احادية على الدولة، وهذا تجاوز لواقع حال التعددية الاثنية وفرض هوية قسرية على سوريا بالظلم والقهر، مما يعني اجحاف بحق وجود الآخرين من غير العرب.
وهنا من المفيد التحدث عن حقيقة بارزة من خلال طرح السؤال المنطقي التالي: ما الضير في حالة التعددية السورية؟ وهل هناك مجتمع احادي الاثنية أو دولة تتكون من عنصر اثني وحيد؟ وهل هناك خسارة في تبني الحالة الاجتماعية ذات الواقع التعددي للشعب السوري؟ وماذا جنى أصحاب المشاريع الاقصائية من خير وراء تهميش ومحاربة الاثنيات السورية؟
من المؤكد انه لا ضير في حالة التعددية الاجتماعية والتنوع الثقافي السوري، خصوصا وان هذه التعددية هي ذات جذور عميقة موغلة في عمق التأريخ، وهي ليست حالة طارئة، مع الأخذ بنظر الاعتبار في انه لا جدل من وجهة النظر الانسانية وواقع حال الشعوب والبلدان، في كون المجتمعات المتنوعة ذات التعددية الثقافية والاثنية هي من أكثر المجتمعات حيوية ونشاطا. بل هناك العديد من الدول تكونت بفعل خليط من المهاجرين القادمين من بلدان وأوطان متفرقة ومتباعدة وبخلفيات ثقافية مختلفة، لكن حاضنة الوطن/ الدولة سرعان ما تمنح هويتها ومواطنتها للسكان بغض النظر عن زمان قدومهم وخلفياتهم الثقافية والاثنية السابقة، والكل يندمجون في مساحة وطن تستوعبهم جميعا من دون استثناءات أو قيود.
دول الشرق الاوسط عجزت تماما من حيث تعاملها مع ملف التعددية، بل تحولت التعددية بفعل سوء التعامل معها الى معضلة استنزفت الكثير من الثروات البشرية والمادية، على خلفية الصراعات التي حدثت بسبب التفاوت في مقاييس الهوية وحالة الفرز بين السكان من حيث الانتماء المحلي الوطني. العراق منذ تأسيسه كدولة وجه فوهات اسلحته نحو كردستان الجنوبية وشعبها، ومازالت هذه الدولة رغم مرور حوالي قرن على تأسيسها وكثرة تجاربها الفاشلة في التصدي للوجود والمطالب الكردية، عاجزة عن حسم القضية الكردية التي تعاملت معها فقط من منطلق المنظار الامني، معتبرة اياه خطرا داهما على أمن واستقرار العراق ووحدة أراضيه.
وليس الوضع في تركيا بأفضل ان لم يكن أسوء. فالدولة التركية تأسست على اساس الهوية (التركية) الاحادية وتعاملت بمنتهى القسوة من اجل صهر الاخرين (الاثنيات الموجودة في البلد) في بوتقتها. وماتزال تعيش تركيا أزمة الهوية وعلى أكثر من صعيد، مع انها أقرب جيران للنادي الاوربي وقدمت أوراقها ومنذ عقود للانضمام لهذا النادي الديمقراطي، وعدم قبولها يأتي بسبب عجز السلطات التركية عن ضمان حق المواطنة للسكان بغض النظر عن الانتماءات الاثنية لهم. وسجل ايران من حيث تعاملها مع التنوع الاثني غير مشرّف بكل تأكيد، كون الدولة الايرانية مبنية على اساس ثقافةاحادية منحت مطلق الحرية والسيادة للثقافة الفارسية على حساب ثقافات الشعوب الايرانية التي تفوق من حيث العدد اجمالي المواطنين الناطقين بالفارسية.
التجربة الكردية وان كانت متواضعة، حيث لدينا ربع قرن من سلطة حكومة اقليم كردستان الى جانب تجربة السنين الاخيرة للادارة الذاتية في كردستان سوريا، لكنها تجربة واعدة وقدمت نموذجا طيبا من حيث احترام التعددية الثقافية للكردستانيين على اختلاف مرجعياتهم الثقافية. فحكومة اقليم كردستان قد منحت منذ البداية حق التعليم باللغتين التركمانية (التركية) والسريانية للناطقين من أبناء هاتين القوميتن في كردستان العراق، وكذلك سمح للارمن أيضا الدراسة باللغة الارمنية. وضمان حق التعليم بلغة الام في ظل السيادة الكردية في جنوب كردستان قد منح المصداقية للتجربة الكردية وحشد الدعم الدولي لها طيلة ربع قرن الماضية، وكانت احد أسباب وقوف المجتمع الدولي مع اقليم كردستان في حربه ضد تنظيم داعش المتطرف وخلافته الارهابية. وفي كركوك التي شهدت حملات تعريب متواصلة منذ تأسيس الدولة العراقية، وتم فرض اللغة العربية كلغة رسمية وحيدة في الادارة والتعليم في جميع المناطق التي تسيطر عليها حكومة بغداد، وبضمنها كركرك كمحافظة كردستانية ظلت خاضعة للسلطات العراقية حتى سقوط نظام صدام عام 2003.
وبعد تحرير كركوك يوم 10/نيسان/2003، تشكلت ادارة مشتركة في المحافظة كان للكرد بحكم كونهم يشكلون الاغلبية المطلقة من سكان المدينة، حصة الاسد في هذه الادارة. وبذلك فقد شرّع مجلس محافظة كركوك (للكرد 27 مقعدا فيه من أصل 40 مقعدا) مجموعة من التعليمات والتشريعات التي واكبت التطورات الحاصلة في مستوى الحقوق المدنية والحقوق الديمقراطية، وبالشكل الذي يجعل الشعارات الديمقراطية التي رفعتها القوى والاحزاب الكردستانية واقعا ملموسا. وهكذا فقد بدأ طلبة مختلف مكونات كركوك يدرسون بلغاتهم الام، بعد ان ألغت سلطات البعث منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي الدراسة بلغات الام وقامت بغلق مدارس الدراسة الكردية والتركمانية والسريانية في المحافظة.
وفي بادرة تليق بمدينة ذات تنوع اثني وثقافي مثل كركوك، فقد اصدر مجلس المحافظة قرارا تم بموجبه كتابة لوحات الدلالة لجميع الدوائر الحكومية في المحافظة بأربعة لغات (العربية، الكردية، التركمانية، السريانية). وهذا دليل على حرص الكرد والتزامهم بمراعاة التعددية الثقافية ومراعاة الحقوق الثقافية والانسانية لجميع مكونات شعب كردستان. والدراسة باللغات من غير الكردية لا يقتصر على كركوك فقط، فهناك مدارس للتعليم باللغات السريانية والتركمانية والارمنية في مختلف مناطق تواجد الكردستانيين من الناطقين بهذه اللغات، علاوة على التسهيلات التي قدمتها وزارة التربية في حكومة اقليم كردستان للكردستانيين العرب وكذلك الطلبة من أبناء الاسر النازحة من الاقليم العربي للعراق الى اقليم كردستان، للدراسة بلغتهم الأم.
نفس المشهد يتكرر في كردستان سوريا. فمع كل ملاحظاتنا حول هفوات وأخطاء الادارة الذاتية للكانتونات، الا انها قدمت نموذجا طيبا قد تعلق الامر بمراعاة التعددية الثقافية لشعب كردستان سوريا، فقد اتيح التعليم بلغة الام لكافة المكونات القومية والاثنية في روجآفا وكذلك يتم التعامل على الصعيد الرسمي مع جميع لغات شعب كردستان سوريا، حيث نجد ان لوحات الدوائر الحكومة واليافطات تكتب بالكردية والعربية والسريانية وكذلك بالتركمانية في مناطق تواجد التركمان.
يمكننا القول بأن الكرد أثبتوا انهم يحترمون التعددية، وهذا هو مفتاح الديمقراطية واساس بناء المجتمع المدني والحضاري. تجربة الكرد في الحكم مع انها حديثة ومحدودة، الا انها مشرقة تستحق الاقتداء من قبل جيرانهم.
