نعم كنت هناك شاهدا
نشرت (رووداو) الغراء خبرا مفاده بانه تم العثور على مقبرة جماعية تضم رفات شهداء من الكورد ممن تم تهجيرهم الى محافظة الديوانية وأكدت عضو لجنة حقوق الانسان النيابية السيدة شرين رضا ان هذه الرفات تعود الى البارزانيين الذين تم تهجيرهم ونفيهم الى محافظة الديوانية / قضاء عفك / ناحية نفر.
كان ذلك في صيف عام 1975 بعد انهاء الثورة الكوردية نتيجة مؤامرة دولية وعودتي الى ما كان يسمى يومئذ بAnchorالصف الوطني وشمولي بالعفو العام بعد سلسلة من التحقيقات والاستجوابات من قبل الأجهزة الأمنية، صدر امر نفيي الى بلدية قضاء عفك التابع لمحافظة الديوانية.
ايامها لم يكن هناك أي طريق مبلط او حتى مرصوف بالحجارة الى القضاء القابع في قلب الصحراء، وكان سواق السيارات العمومية يعتمدون على فراستهم ومعرفتهم الطويلة بالطريق او على القبلة نامة أي البوصلة فيما إذا دعت الحاجة.
في عفك رحب بي القائمقام ورئيس البلدية، فكلاهما رغم انتمائهما للحزب الحاكم، كانا من المغضوب عليهم ولذا تم نقلهم الى هذه المدينة الصحراوية المعروفة في الجنوب العراقي بكونها اسوأ المناطق السكنية والأكثر فقرا وتخلفا حتى قيل فيها المثل المعروف (قيم الركاع من ديرة عفك) كما كانت أحد ثلاث مراكز ابعاد ونفي السياسيين المعارضين وهي نكرة السلمان وسجن الكوت المركزي وقصبة عفك البعيدة عن كل مظاهر الحياة الاعتيادية.
مع الأيام بدأت الشاحنات المعروفة باسم (القلابة) تأتي باستمرار الى عفك وهي تنقل العوائل الكوردية من شيوخ وأطفال ونساء وقلة من الشباب والرجال، وقد شاهدت بأم عيني كيف ان هذه الشاحنات القلابة تقوم بإفراغ حمولتها من البشر كما تفرغ الحجارة والرمل والحصى وكانت الناس تقع على بعضها البعض، وكثيرا ما كان هناك جرحى وكنت مع بعض أهالي المدينة نذهب لاستقبال المواطنين الكورد، كما كان بعض الميسورين يقدمون الذبائح كاستنكار صامت لما يقوم به النظام وتضامنا مع القائد مصطفى البارزاني والشعب الكوردي، وقد سمعت مرارا منهم ان البارزاني مصطفى كان أملهم الوحيد لإنقاذهم من البعث والنظام الدكتاتوري.
مع شحة المياه وانعدام الخدمات الطبية والأجواء الصحراوية المتربة بالإضافة الى سوء التغذية وعدم وجود أي نوع من المساعدات الحكومية اللهم من بعض الأهالي الميسورين ومن امام الحسينية الذي كان يهرّب الطعام سرا للمهجرين والذي سمح لي بالاستفادة من مكتبة الحسينية العامرة نسبيا، بدأ الموت البطيء يزحف الى كل الخيم والاكواخ المهترئة، وكان ذلك مجرد بداية ليصبح مع مرور الزمن مقابر جماعية لعشرات ومئات الضحايا، هذا عدا الذين قتلوا عمدا وعن سبق إصرار بحجة محاولتهم الهرب او الذين ضاعوا في الصحراء ولم يعثر عليهم أحد.
لما سبق ولكي لا تتكرر المأساة مرة أخرى ومن اجل حماية أرواح وكرامة الالاف المؤلفة من المواطنين الكورد ومع عدم وجود أي افق واضح المعالم للعيش المشترك والاتحاد الاختياري الطوعي، يبقى النضال من اجل الحرية والاستقلال واجبا وطنيا مقدسا يجب المضي قدما في سبيل إنجازه وتحقيقه كما يبقى ضحايا الانفال والتهجير والتعريب وحملات الإبادة الجماعية موزعون على كل التراب الكوردستاني والعراقي وصدق قول الشاعر الكوردي عبدالله پهشێو فيهم (للأسف لا اذكر النص الصحيح كاملاً ):
عندما یزور وفد دولة، يأتي بباقة ورد ليضعه على رفاة الجندي المجهول
لكن عندما يأتي الى وطني كوردستان ويسأل عن الجندي المجهول اقول له سيدي
لست بحاجة الى قبل للجندي المجهول في وطني
ضعها في أي مكان، اذ لابد وانه يحتضن رفات شهيد كوردي
Sbamarni14@outlook.com
