طيور"روي" ونوارس جسر الاحرار ..............................جمال كريم
ومخلوقاته ، نعم .فهي تظل تحوم فوق حامل الكيس وهو يتنقل بين مطاعم شارع الرشيد وحافظ القاضي ، وتظل تلازمه منتظرة مقدمه نحو الجسر ، وحالما يلقي بالاطعمة ، "تهيص"النوارس ، حتى تهدأ طائفة ، تهدهدها الامواج ، وهي تلتقط رزقها ،منحدرة بسلام وامان .
من خلف واجهة حانة "شريف وحداد " الزجاجية ، كنا نرقب هذا المشهد اليومي ، نحن المتمردين ، المعادين ،لخطوط الحزب والثورة والامة ، ،انا ،سهيل ياسين، جمال جمعة ، عادل خلف ، رزاق عداي ، صلاح عواد، جان دمو، جمال حافظ واعي ، صبحي ابراهيم ، ظافر عدنان ، ناجي حسين، سعدي فري ، وجبار منشد المقيم في منسكه ومزهده الهولندي الان ، و"لمة" اخرى من الساخطين ، والعابثين ، والمتصعلكين ، بين فنادق بغداد ومقاهيها.
مرة كتب سهيل ياسين مختزلا تلك الملتقيات بالقول" كيف لنا ان نحقق حلما ونحن لم نكن سوى مناضلين في حانة، جبهتنا اباريق الخمور ورأسمالنا وعود معلقة دائما، بعد الفراغ من تشريح خصمنا الفكري وعدونا الطبقي وتحقيق نصر افتراضي عليه، لا يسعنا الا ان نشتبك في اخر الليل احيانا ببعضنا البعض في خصام او مشادة كلامية تنتهي بوعيد وتهديد نتيجة خلاف مضحك تافه نكتشفه عند الصباح، لا يتعدى التصادم والاختلاف حول قصيدة اوقصة ومسألة نحوية اكل الدهر عليها وشرب" ، حقا كنا نختصم ،ونتغاير ، ونتخالف ، ونتساجل ، حول قضايا الادب والفكر والفن والالسنيات ، وغيرها من ميادين المعارف والافكار ، لكن وفي ذروة الاحتدامات ،لم تغب عنا المشاهد والمرئيات الجميلة ، كنا نحتفي ،معلقين على جماليتها ومفارقاتها ،ومشتراكاتها احيانا ، فثمة مشترك بين نوارس شيخ حافظ القاضي ، والراحل جان دمو ، فالنواس ما تنفك تترقب مطعمها حتى يلوح لها منتصفا الجسر ، وجان الذي يظل محدقا في البناية المقابلة لواجهة الحانة ، ففي عصر كل يوم ،وفي رابع ساعته ، يدعونا بعد شتيمته الشهيرة "ابناء المرحاض"، يصرخ عاليا جان : اريد صمت ... الجميع يصمت ، فتاج رؤوسكم سوف تنزل ......
تهبط السلالم عاملة الخياطة حقا ، كل يوم في ميقاتها الذي يعرفه ويترقبه جان ، حيث يبقى بعينيه الصغيرتين
يلاحقها وهي تمضي باناقتها المعهودة نحوشارع الرشيد ، نوارس الجسر ، وفتاة جان ، مشهدان اليفان يتكرران كل يوم ، لكن ما ان حلت بنا المحن والنكبات ، و ما ان اشعل النظام الفاشي السابق شرارات سلسلة حروبه المتصلة ، وعلت نيرانها الافاق والمناحي والجهات، ، وبدات تأكل ابناء البلاد وتشوه معاني الحياة والاخلاق، وتباعد الاحبة والاصدقاء ، وتمر السنون ، حتى هيمنت على مجتمعنا ثقافة القتل والموت والارهاب .
ياااااااه ياصديقي عبد الرزاق ..ثلاثون عاماً، مضت على طاعم نوارس جسر الاحرار ،وعشر سنوات على رحيل جان دمو في منفاه الاسترالي ، بعيدا عن مرقبه فتاة معمل خياطة "دجلة"، عند "ركبة " الجسر.
عبد الرزاق شكراً لروحك ....شكرا لذلك الاسيوي صديق الحمائم والحياة.
pna
