هوية الانتحاريين!..........................جمال كريم
نعم.القاتل ولأي سبب كان ،او ذريعة يحتج بها،انسان خارج سياقات الحياة بمعانيها الايجابية الخلاقة وقيمها ومثلها في الخير والفضيلة والحق والعدل والجمال ،مثلما هو خارج عن الذات الانسانية بوصفها كياناً اجتماعياً فاعلاً لكل قيم المحبة والحرية والسلام،كياناً فاعلاً في الفكر والبناء والعطاء والاصلاح ،خدمة لبني جلدته ،بل خدمة حتى الاخر المختلف والمغاير.
القاتل جاهل بامتياز،ومضلل به بامتياز،ومخدر بالاوهام والغيبيات بامتياز.
الانتحاريان اللذان فجرا نفسيهما بين حشود من المصلين في حسينية عباس التميمي وسط العاصمة بغداد، أزهقا ارواح 31 بريئاً واصابا بجروح نحو 58 مثلهم ، وسيارة الانتحاري الملغمة التي قادها لتفجر دماء وارواح 30 قتيلا و42 جريحا من المصلين في جامع محمد رسول الله بعد تأديتهم صلاة الجمعة، وغيرهم من الانتحاريين الذين فجروا أنفسهم في جوامع وحسينيات وكنائس،واسواق شعبية،ومساطر تجمع العمال،وغيرها من الاماكن العامة ،هم قتلة مجرمو ن بامتياز،لكن من اي بيئة خرجوا ؟وأي ثقافة ووعي يحملون؟لن يساورني أدنى شك مطلقاً أن كل أولئك القتلة تربوا في محيط اجتماعي هزيل وبائس،محيط يملؤه الجهل والفقر والعوز والعماء،فيقوم شيوخ التنظيمات السلفية الظلامية بنصب فخاخهم عبر خفافيشهم السود للايقاع بفتية وفتيات في عمر المراهقة او يزيد بقليل،فيدفعوا لهم الاموال ،ويعبئوا نفوسهم وعقولهم بثقافة الموت والقتل والتكفير، وكراهية الاخر ممن لم ينتم لهويتهم الفرعية،ولو كانت لدينا مسوح دقيقة ،واحصائيات ملمّة، لكل الانتحاريين في بلادنا وبلاد العالمين، سنخرج بنتيجة ذات وجه واحد لاغير،وهي ان كل المغرر والمضلل بهم أوبهن ،ينتمون الى شرائح اجتماعية فقيرة أو دون خط الفقر اصلاً،منضافاً اليه(الفقر)،الامية ،والجهل،والتخلف.عاملان رئيسان قاتلان لصناعة الانتحاري اليائس من الحياة ،والمفلس من معانيها،وقيمها الانسانية النبيلة،وإلا هل سمعتم بفتى،أو فتاة، من بيئة مثقفة وواعية وصحية ينزلق الى هذا المنزلق الخطر ،او لاسائلكم :هل سمعتم بأحد شيوخ وقادة الافكار الظلامية الحالكة يرسل بابنه أو ابنته الى "جهاد"موهوم يقوم على تهلكة الذات ،وتشظيظ اجساد الابرياء بملغمات وناسفات القتل والموت ؟
الانتحاري وصانعه ،كلاهما مجرم قاتل،لكن الثاني اكثر جناية وجرماً،لانه سبب في صناعة أوهام الاول ،هو شاطف لدماغه، وملوث لعقله ،ومسمم لافكاره،ودامغ للكراهية في نفسه،ومضلل لخطاه في دروب الفضيلة والحرية والسلام والبناء،هو مخدره قبل دقائق تنفيذ جريمته بحق نفسه ،وحق ضحاياه ،بحبوب هلوسة أو سلطنة مخدرات ليجعله محلقاً بحلم جنة موعودة مفترضة.لكن هل حقاً تستقبل الجنة القتلة والجناة ومزيفي القيم والاخلاق ؟هل تستقبل المحرضين على القتل والذبح والكراهية والبغضاء ؟
خلاصة لكل ما تقدم من مسطور ومدون ،أقول حين نسعى الى البحث والتمحيص والتدقيق في هوية الانتحاريين ،صانعي الموت ومزهقي الارواح الانسانية البريئة على وفق توجيهات وتخريفات قادتهم ومنظميهم من مشعلي حرائق الفتن ،ومؤججي الطائفية الممقوتة الكريهة،نجد انهم من دون اية هوية انسانية ،تحيل الى انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية والعرقية والاثنية ،هم من دون كل ذلك،بل لاهوية لهم ،سوى رذائل بشاعة القتل ،وآثام الاعتداء على الذات الانسانية،وفظاعة كراهيتهم للحياة والتطور والنماء والازدهار.
pna
