حبر على ورق........................فوزي الاتروشي
ومنذ عام 2003 بدأت ظاهرة الكلام الذي يطلق على عواهنه دون حسيب او رقيب والمشاريع الوهمية على الورق والخرائط تنتشر في العراق بشكل غير مسبوق الى حد جعل القاصي والداني يشعر بأن كل ما يقال مجرد كلام في الهواء , وان كل الوعود حديث معسول يرمى في الهواء ليصبح هباءاً منثوراً. ومشكلة العراق ليس في وجود جزء من الفساد وجزء من التحايل على الامور، وانما في ان المشاريع لا تنفذ اطلاقاً والوعود كلها وليس جزئها لا تصبح تطبيقاً عملياً على الارض.
فالعمران والكهرباء ونظافة المدن والاستقرار الامني والتردي الاداري والشلل الحاصل في المرفق الخدمي واعاقة صدور مئات القوانين في ظل الدستور الجديد والانتقائية في التطبيق والتجني على مبدأ اساسي في العراق الجديد وهي الفيدرالية، كلها تصب في خانة الحبر الكثير الذي ينشر على مساحات واسعة من الورق بقدر تضاريس هذا الوطن .
وفي هذا اشكالية كبيرة اوقعت المواطن في حيرة من امره ادت به الى العزوف عن قراءة الصحف ومتابعة الفضائيات لانها لاتسبب له سوى وجع الرأس وتراكم بيدر همومه. فكل عام تنطلق وعود بتحسين الكهرباء وبخفض نسبة الفقر وبإعانة اجتماعية تنهض بالمستوى الاجتماعي والاقتصادي لكل المهمشين من الفقراء والارامل والايتام وضحايا الارهاب وعوائل الشهداء. وحين ينتهي العام نجد مئات المقالات والمدائح التي تنهال على هذا المسؤول او ذاك لمجرد انه اطلق وعوده دون ادنى اثر عملي.
واغلب المشاريع العملاقة على كافة المستويات تغرق اما في روتين اداري قاتل او تتجزأ وتتلاشى وتضمحل لتصبح اثراً بعد عين. لذلك اصبح العراق على مستوى العالم بلداً يقع في العالم الافتراضي الذي لا يشغل الا الحيز الضيق على الشاشة العنكبوتية دون ان يتجسد على هيئة كيان واقعي ملموس, فالمشروع الوهمي والانجاز الوهمي يسود بشكل مرعب في وقت اصبحت العمليات الارهابية اليومية هي الواقع المحسوس, وصار الاختلاس والفساد العنوان الاكبر الذي لا يطاله القضاء, واذا اشتكى المواطن يجابه بسيل من الاتهامات لتعجيزه عن المطالبة ولإجباره على الركوع والسكوت .
حبر على ورق... اذن ليست مجرد جملة ساخرة او تعبيراً تهكمياً وانما واقع نعيشه ولانستطيع على الاقل لغاية الان الفكاك منه. فكلام السياسي لم يعد يختلف عن الوعظ والتلقين والاحاديث التي تتكرر آلاف آلاف المرات في المنابر والمساجد وينتهي اثرها فوراً وكأنه سراب , والحال ان الدولة جهاز سياسي قضائي تشريعي تنفيذي ورقابي والكلمة مسؤولية والوعود قرارات ملزمة بحاجة الى متابعة بأستثناء العراق فالحال على منوال آخر, ومن يتابع عدد المؤتمرات والمهرجانات وخاصة الدولية منها التي تنعقد في العراق يصاب بدوار الرأس من كثرتها وكلها مصدر استنزاف مالي وحسب, ولم نجد اي مؤتمر تمت متابعة قراراته وتوصياته وكان مجرد انعقاد هذه المؤتمرات انتصار ما بعده انتصار .
يدي على قلبي من الخوف على ان تصبح الدولة كلها مجرد حبر على ورق من كثرة الكلام الوهمي الذي يتراكم على اطلال الوطن .
pna
