طموح العدالة
وترتيب أسبقيات الطموحات مهمة السياسيين. وبقدر ما يكون السياسي منظماً بحساباته، واعٍ لطبيعة مجتمعه، يتخطى كونه مجرد سياسي إلى قائد، لكن ينبغي الوعي بأن له رصيد محدود مرهون بمعالجة قضية أو مرحلة، ولا يمكن أن يكون “القائد الضرورة”، ولا “الرئيس مدى الحياة”، لكن يمكن أن يكون لتواصله مع المواطنين والتعبير عن آمالهم وشيجة تربط صوت الناخبين به وحزبه إلى حين ظهور من يعبر عن حقبة أو مرحلة أخرى، ولا ينبغي لأحد الظن بأنه القائد الملهم المعبر ابداً عن إرادة الشعب. ولو كان مثل هذا حقيقة لما أستدعى الأمر ثلاثة رسائل سماوية كبرى وعشرات مئات الأنبياء والرسل الآخرين.
وكنت قد سارعت مبكراً للقول بأن “المحكمة الاتحادية ستنقض قانون تحديد ولايتي رئيس الوزراء والنواب،” مشيراً إلى ضرورة أن يدرك من يتصدى لترأس السلطة التنفيذية العبء الأكبر لتراكم الأخطاء مهما كانت صغيرة. والقضية الكبرى هي ليست الاخطاء الصغيرة وحدها، إنما “وهم” القوة والقدرة على الاستفراد بالسلطة، الذي يظنه بعض صغار المستشارين، ليس من حيث مواقعهم الوظيفية، بل جهلهم لتجربة الشعوب والعراقيين. ولم يكن الجنرال ديغول مجرد نرجسي بتنحيه عن رئاسة الدولة بعد استفتاء 68، لأنه لم يحصل على الأغلبية العظمى التي يريدها فقط، إنما لإدراكه طبيعة التوازنات السياسية التي ليس فيها مكان لجنرال منظر للاستراتيجية العسكرية، لأن الاستراتيجية السياسية فيها عناصر اخرى غير التسلسل الهرمي المحكم.
من ناحية أخرى فان الشخصيات التي كرست حياتها للعمل العام في سلطات الدولة، منحت كل وقتها وطاقاتها وتعرضت لمخاطر: عبء العمل القاتل بجانب الاستهداف باسلحة متعددة المصادر. وهؤلاء شأن أي موظف عمومي لهم حقوق مكتسبة، سواء بموجب قانون موظفي الدولة أو حتى الأجراء اليوميين، بالتالي فان تبني مواقف وشعارات تتحول إلى مطلب جماهيري بشان إلغاء حقوقهم التقاعدية هو غمط لحقوق عادلة ومشروعة.
لكن من العدل ايضاً التأمل والدراسة الجادة لمدى تناسق الرواتب والحقوق التقاعدية لذوي الدرجات الخاصة مع رواتب بقية الموظفين العموميين وتقاعدهم. وهذه مهمة اختصاصية فنية لصياغة نظام تقاعد عام للجميع، يتسم باكبر قدر من الشفافية والتوازن في صياغة معادلة الجهد مقابل الأجر، وهي لن تتخطى في الديمقراطيات العريقة ما نسبته 1إلى 3 أو 4 من مضاعفة رواتب وتقاعد الموظفين الاعتياديين.
وقد يسجل مجلس الوزراء لنفسه سابقة قيمة نادرة في تاريخ الدولة، إذا ما اعد مشروعي سلمي رواتب وظيفي وتقاعدي لجميع شاغلي الوظائف العامة بدون ما يصاحب تفخيمات “دولة” و”فخامة” و”معالي” المسؤول من امتيازات تتخطى حتى امتيازات قادة دول عظمى.
حسين فوزي
PUKmedia
