• Monday, 02 February 2026
logo

تعددت الأسباب والعنوان واحد

تعددت الأسباب والعنوان واحد
تعددت الأسباب وعنوان الهجرة سواء كانت نزوحاً أو لجوءاً، من مکان إلی آخر تبقى نفسها من حيث مرارة الغربة وقساوتها والحنين إلى الوطن، وخلال مسيرة الإنسان عبر التاريخ لم ينقطع الهجرة عن سطح هذا الکوکب منذ أن أستوطنها البشر وستبقی موجودة إلی يوم القيامة، وفي معظم حالات الهجرة التي سجلها التاريخ کانت سببها الحروب وتداعياتها أو الجوع الناتج عن قساوة مناخ الطبيعة أو الأوبئة، ونحن الكورد لنا نصيبنا من الهجرة مرات ومرات، جماعية كانت أو جزئية، وخاصة كورد الجنوب وأقصد كوردستان العراق التي تعتبر من أکثر بقاع العالم التي شهدت تغيرات جذرية خلال فترة زمنية قياسية بعد أن استحملت أعنف الهجمات البربرية والوحشية من قبل النظام البعثي المقبور، إعتباراً من الترحيل والتبعيث القسري للكورد، مروراً بقصفه بأنواع مختلفة من الأسلحة وأخرها السلاح الكيمياوي، وصولاً للإبادة الجماعية حيث عمليات الإنفال سيئة الصيت، وكانت كوردستان أشبه بمختبر کبير وساحة واسعة للتدريب العسکري تستعمل فيها جميع أنواع الأسلحة ويتدرب عليها جنود الجيش العراقي من أجل زجهم لاحقاً في مغامرات اقليمية للنظام الصدامي، وقصة كورد الجنوب بفصوله المتنوعة والكثيرة، قصة طويلة مليئة بمشاهد حزينة وبطولية لا نستطيع سردها في هذا المقال، إذ ما يهمنا من هذه القصة هو أن أغلب هؤلاء الكورد کانوا في فرار ونزوح ولجوء مستمر يتدفقون باستمرار وفي فترات متقطعة إلی دول الجوار هرباً من بطش النظام البعثي.
وبعد مرور عقدين من الزمن على تحرر الكورد الجنوبيين من أسوء فترة ظلم وقهر شهدوه، وبعد إصرارهم خلال هذه الفترة رغم كثرة الصعوبات والمشاكل والعقبات، على مواكب مسيرة التطور والبناء، أصبحت مملكتهم من بقعة أشبه بجحيم إلى بقعة تشبه كثيراً واحة خضراء خلابه في وسط صحراء قاحلة، والشيء الملفت هو الفرق الهائل في التطور المستمر في كوردستاننا الجنوبية والدول التي كانت تنظر للمأسي والظلم الواقع عليها بالإبتسامة والرضى، غرقت اليوم في مشاكلها الداخلية والخارجية وحروبها الخاسرة كلها، وكوردستان وسط هذه الفوضى الإقليمية متماسكة وعيون العالم عليها وأصبحت ملاذاً آمناً لکل من يبحث عن الأمان والحماية، وحلم الكوردي الجنوبي الذي نبذ العنف والإرهاب وکره الظلم ورفض الرکوع للظالم قد تحقق الكثير منه وبقي الكثير.
ربما أخذني العاطفة والحماس بعض الشيء في سطوري هذه، واليوم نری جموع الكُرد الغربيين وهم يعانون كما عانينا ويتدفقون نحو كوردستانهم الجنوبية، وما أفرحني هو مساعدة قوات البيشمركة على الحدود لهؤلاء النازحين وإستقبالهم من قبل حکومة إقليم کوردستان وتقديم الخدمات لهم وايوائهم، وما أفرحني أكثر على الرغم من أنه ليست المرة الأولى، هو هروع مواطني الإقليم لنجدة اخوانهم وتقديم يد المساعدة لهم، بعد أن قام الإعلام الكوردي بدوره القومي في تغطية هذا النزوح الجماعي ونقل الصورة والوضع إلى جموع الشعب، وبعض المشاهد المؤثرة من هذه الهجرة قد حركت في ذاکرتي شريط الأحداث التي مرة علی أقليم کوردستان منذ الحرب العالمية الثانية وحتی سقوط نظام الطاغية صدام وما تخللها من ثورات کوردية ومآسي وويلات وأحداث مهمة وما عانه الكورد الجنوبيين من الهجرة والنزوح المليوني، ومرارت وقساوة أيام اللجوء في إيران وترکيا وغيرها من الدول، وليس هذا فقط بل ذكرني بنظرة أعداء الشعب الكوردي ونظرة أغلب الدول وشعوب المنطقة عن إقليم كوردستان، كيف كانو ينظرون إلينا بإحتقار ويروننا أدنى مرتبة منهم ومواطنو من درجة ثانية وثالثة، أما اليوم ومن كان من عرب العراق يرى نفسه سيداً علينا نحن الكورد في يوم من الأيام، يرى نفسه اليوم وهو واقف أمام سيد، أحلامهم تحطمت وأحلامنا تحقق وستتحقق، مدنهم تهدم ومدننا تعمر، أنطباعاتهم تغيرت وانطباعاتنا ونظرتنا وأخلاقنا ما زالت محتفظة بأهم شيء ألا وهي قيمنا الإنسانية وغصن الزيتون الذي نرفعه دائماً في أيدينا.
وختاماً، في هذه الأحداث التي تمر بها دول المنطقة ومواقف الكورد الجنوبيين من ما يجري، برهان واضح لمن يريد أن يفهم بعض الحقائق، ألا وهو أن نضال الشعب الکوردي الذي لم يتوقف يوماً من أجل نيل حريته والعيش بکرامة سيستمر، والنضال من أجل الحفاظ على المكتسبات التي حققته شعب كوردستان بتضحياته الجسام وبفضل حنكة قيادته، سيستمر.

بقلم: بسار شالي

‌puk
Top