حقوق القوميات في دستور إقليم كردستان العراق
وحين بادرت اللجان المختصة بكتابة مسودة دستور الاقليم وضعت نصب اعينها الواقع الحقيقي للمكونات البشرية التي يتشكل منها شعب الاقليم، ولان الواقع يوجب ان يكون النص حقيقيا منسجما مع واقع الحياة في كردستان العراق، فقد ورد النص من ان شعب كردستان العراق يتكون من الكرد ومن القوميات الاخرى (التركمان والكلدان والاشوريين والارمن والعرب) ممن هم من مواطني الاقليم وفقا للقانون.
هذا التكوين المتنوع بالإضافة الى كونه كشفا واقعيا فانه يعبر عن مساحة الافق الواسع للعقلية الكردستانية التي لم تحصر التكوين على الكرد فقط بل توسعت لتشمل كافة المواطنين من القوميات الاخرى ممن يقيم عادة في كردستان وفقا للقانون، فيكون للمواطن التركماني والعربي والكلداني والاشوري والارمني كافة الحقوق والواجبات التي يرتبها الدستور لكل مواطن في الاقليم.
كما يرتب الدستور حقوقا اخرى لابناء هذه القوميات منها الدراسة والتحدث باللغة القومية لكل قومية، واعتبار لغتهم لغة رسمية في المدن والمناطق التي يشكلون فيها الاغلبية السكانية.
وحرصا من قيادة الاقليم على وحدة العمل والتركيز في تقديم الخدمات بشكل متوازن ومتساوٍ لجميع المواطنين دون استثناء فقد تم تحريم تشكيل مناطق ادارية خاصة داخل حدود الاقليم، ومنع التداخل بين وجود مركزية دستورية وقانونية امرا مشروعا ويرتب تركيزا في الحقوق وتوحيدا لمفهوم الانسجام الدستوري والقانوني، مع ان هذه القوميات تتمتع ضمن دستور الاقليم بحقوق تمثيل مناطقها والمشاركة الفعالة في كافة المجالس البلدية والإدارية في المناطق التي تتواجد فيها بالإضافة الى حق ابنائها في الترشيح لبرلمان كردستان باعتباره ممثلا لكل شعب كردستان العراق.
واعتبر مشروع الدستور علم كردستان علما رسميا الى جانب علم الحكومة الاتحادية، ولا يخفى على احد مراحل النضال التي خاضتها جميع تلك القوميات ضد الانظمة البائدة من اجل نيل الحقوق تحت ظل راية علم كردستان، ما يجعله بقناعة الجميع علما يتفاخر به ابناء جميع المكونات التي تستظل به في الاقليم.
ومن اجل تكوين تشكيل عسكري يحمي حدود الاقليم وتدافع عنه كان لابد من توحيد تلك القوة ضمن قوات البيشمركه البطلة التي لايمنع قطعا ان تتشكل من الكرد ومن ابناء القوميات الاخرى التي يتكون منها شعب الاقليم.
ان قضية المساواة بين المواطنين بغض النظر عن قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم ترتكز على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، وهي نظرة انسانية عميقة تشكل قاعدة اساسية من قواعد تأسيس دولة القانون، وخصوصا امام تأسيس قاعدة كردية ينظر اليها مجموع شعب كردستان في كل الأجزاء ، نظرة تفاؤل وإشعاع نتيجة نضال وجهاد وتضحيات كبيرة تتجسد في التعامل اليومي العملي مع كل المواطنين الذين تحكمهم القوانين المستندة على القواعد الدستورية لتعكس مبدأ العدالة، ووفق هذا المبدأ يكون المواطن العربي أو الاشوري او الكلداني أو الأرمني أو التركماني ممن يقيم على أرض كردستان العراق إقامة قانونية مواطنا متساويا مع أي مواطن كردي وفقا للدستور، كما ان النظرة على اساس الاغلبية والاقلية ليس لها محل في هذه النصوص، وعلى هذا الأساس لن تكون هناك مميزات وتفضيل مواطن على آخر، وهي قضية عانى منها المواطن الكردي في ظل الأنظمة الشوفينية كثيرا .
وازاء تلك النصوص التي يتساوى فيها المواطن مهما كانت قوميته بالحقوق والواجبات يتعين على ابناء تلك القوميات النظر بمنظار العدل والضمير والوجدان الحي الى واقع كردستان ومساندة حقوقه المشروعة، وإنصاف تلك النظرة العميقة التي لم يتخل المشرع فيها عن ابناء القوميات الاخرى في السراء.
ولم يغمض المشرع الكردستاني عينه عن وجود الديانات المتنوعة في اقليم كردستان، وهو وان جعل المساواة مطلقة وعامة لاتحددها القومية ولا الدين او المذهب، الا انه اعترف صراحة بوجود تلك الديانات والمعتقدات (حيث بالإضافة الى المسلمين والمسيحيين هناك الايزيديين والصابئة المندائيين والزرادشتيين واليهود وهناك ايضا الكاكائية والبهائية والصارلية والشبك) ومبدأ حرية الديانات يستند على حرية العقيدة الشخصية وحق المواطن في اختيار المعتقد، ومع ان ممارسة الطقوس والشعائر محمية ويكفلها القانون الا ان تلك العقائد والشعائر والطقوس لايمكن ان تتعدى على حقوق وحريات الاخرين، وأن لاتسيء بأي شكل من الأشكال الى عقيدة او رمز او ديانة او مذهب.
وعلى عادة الدساتير المكتوبة ادرج المشروع عبارة (الدين الرسمي لحكومة الإقليم) وهي عبارة لامحل لها من الواقع باعتبار ان الحكومات جميعها شخصيات افتراضية غير حقيقية ولا مجال لها ان تلتزم بديانة محددة، ولايمكن لهذا الشخص المعنوي ان يمارس الطقوس الدينية او الشعائر، لذا فان حشر هذا النص في غير محله، وكان يمكن احلال بديل عنه من ان تكون الديانات التي تلتزم بها المكونات الدينية في الاقليم معتبرة ومحترمة ويحميها الدستور حتى يمكن ان ينسجم الدستور مع تطلعات بناء كردستان والاستفادة من تجارب الاخرين.
زهير كاظم عبود
puk
