محمد رشو : تجفيف مصادر الإرهاب، سوريّاً
الانعكاسات الإيجابية للثورة السورية على الدول المحيطة و المؤثرة باتت تبدو أكثر وضوحاً شيئا فشيئاً، ومن هذه الانعكاسات:
تركيا تتخلص من الجناح المسلح لحزب العمال الكردستاني
فاجئنا السيد عبد الله أوجلان قائد حزب العمال الكردستاني /PKK/ المعتقل في إيمرالي، منذ فترة بمبادرة سلام بعد ثلاثين عام من النضال المسلح الغير مجدي، تتخلص بخروج كافة العناصر المقاتلة من "الكريلا" و التجائهم إلى إقليم كردستان العراق، هذه المبادرة تلت زيارة لرئيس الإقليم و رئيس حكومته إلى تركيا، مما يعطي الانطباع أن للإقليم، و رئاسته على وجه الخصوص، الدور الأساسي في هذه المبادرة، وكون كردستان العراق يعاني أصلا من أزمة سياسية بين أقطاب السياسة الثلاث حزب الإتحاد الوطني و الحزب الديمقراطي الكردستاني و حزب كوران، بالتالي من غير المنطقي أن يقبل حزبي الإتحاد و كوران دخول عناصر مقاتلة ستدعم بالتأكيد القطب الثالث /الحزب الديمقراطي الكردستاني/ برئاسة مسعود البارزاني، و مذّاك الحين و يتم تداول أخبار عن دخول عناصر /الكريلا/ إلى سوريا عبر معبر سيمالكا، و تم تداول أخبار مؤخرا عن دخول أكثر من خمسة آلاف عنصر مع أسلحتهم إلى المناطق الكردية أثناء المعارك الدائرة ما بين جبهة النصرة و تنظيم القاعدة في العراق و بلاد الشام من جهة و عناصر الحماية الشعبية "الجناح المسلح لحزب الإتحاد الديمقراطي" من الجهة الأخرى.
هذه الأحداث بالتأكيد تصب في صالح الحكومة التركية، وذلك بتخلّصها من هذه العناصر التي أرهقتها عسكريا و اقتصاديا و حتى سياسياً، وترمي بها إلى المستنقع السوري، وربما هذا ما يفسّر الصمت التركي حيال ما يجري على حدودها الجنوبية.
إيران تتخلص من قوات البيجاك الانفصالية
البيجاك أو /حزب الحياة الحرة لكردستان PIJAK/ و هو جناح عسكري تابع لحزب العمال الكردستاني /PKK/، منذ تأسيسه عام 2004 و هو يقوم بعمليات عسكرية ضد النظام الإيراني بأسلوب إرهابي كقطع الرؤوس و الحرق و الإعدام الميداني، أعلن هذا الحزب مؤخراً رغبته بالدخول إلى سوريا لدعم شقيقه حزب الإتحاد الديمقراطي /PYD/ و بذلك تكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية تتخلص من أكبر تهديد كوردي داخلي، و ترمي به إلى ما وراء الحدود، وكون هذا الحزب لن يقاتل الأسد وإنما القاعدة و جبهة النصرة و ربما الجيش الحر أيضاً، بالتالي إيران تخفف العبء عن حليفها الاستراتيجي الأسد، و تُدخل المعارضة العسكرية في معارك جانبية بعيدة كل البعد عن إسقاط النظام الأسدي.
الأردن و العراق و أفغانستان تتخلّص من القاعدة
بعد إعلان الجهاد توجّهت أنظار القاعدة و القوى السلفية العاملة في المحيط السوري إلى سوريا، و كان للإسلاميين الآسيويين كالأذر و الأفغان وجود لافت على الساحة السورية و كذلك تنظيمي القاعدة في الأردن و العراق، و تأسيس فرع جديد للقاعدة في سوريا، فمنذ ذلك الإعلان و العمليات التفجيرية في أفغانستان و العراق في تناقص ملحوظ، ما خفف العبء على قوات التحالف، كما أن الحدود كانت مفتوحة بشكل مريب لهذه القوى للدخول على خط الأزمة السورية، و بقوة متعاظمة داخل سوريا في ظل التمويل و التسليح القويين و اللذان يثيران العديد من الإستفهامات حول الآلية، وما يثير التعجّب الأكبر هو اقتصار عمليات هؤلاء السلفيين على معارك بعيدة عن النظام في ريف حلب الشمالي و الجزيرة و منطقة عين عرب وريفها.
حتى أن الإسلاميين المتشددين في أوروبا أيضاً كان لهم دوراً بارزا في الأزمة و بذلك تكون سوريا محرقة لهؤلاء السلفيين الذي كانوا سيشكلون خطراً أمنيا للبلدان القاطنين فيها.
تجارة الأسلحة الروسية و الأمريكية منتعشة
من المعروف أن روسيا هي المورد الأساسي للأسلحة الإيرانية و المواد الخام لتصنيع تلك الأسلحة، كما أن الصفقات الروسية ما زالت قائمة على قدم و ساق مع النظام الأسدي، و بمبالغ خيالية في ظل العقوبات المفروضة على إيران وسوريا، و يبدو أن روسيا سعيدة بما تؤول إليه الأوضاع، و الانتعاش الاقتصادي في قطاع السلاح الروسي أكبر دليل.
كما أن أمريكا المصدّر الرئيسي للسلاح السعودي و القطري و التركي، شهدت ازدهاراً في بيع الأسلحة الخفيفة و المتوسطة التي تم إيصالها إلى الجيش الحر بطرق غير مباشرة أحيانا و مباشرة أحيانا أخرى بعد رفع الحظر الاوروبي عن توريد الأسلحة إلى المعارضة الذي لم يدخل حيز التنفيذ الواسع "رسمياً" بعد.
المعارضة اللبنانية سعيدة بغوص حزب الله في المستنقع السوري
تورّط حزب الله الرسمي في الأزمة السورية ألقى بظلاله على الوضع الداخلي اللبناني الذي لطالما عانى من تفرد هذا الفصيل بالسلاح و قرار إعلان الحرب و السلم بدعم من النظام الأسدي.
دخول حزب الله بكافة قواته هو مساعدة كبيرة للمعارضة اللبنانية للتخلص منه، بسبب الانكسارات التي تلقّاها بفعل تصدي الجيش الحر له في مواطن عدة، و لسقوط أعداد كبيرة من القتلى للحزب.
حزب الله بدخوله على خط الأزمة لم يعد يستطيع التراجع، فالمعركة مصيرية بالنسبة له، و سقوطه محتّم بعد سقوط الأسد، لذلك نرى الشراسة في الدفاع عن الأسد، و الذي يعني انكساره انكسار الهلال الشيعي، الخطر الأكبر على المشروع الديمقراطي في المنطقة.
وإسرائيل السعيدة بهذا التورّط لم تبد أي موقف قوي حيال ذلك، ربما بسبب رضاها عن استنزاف قوة هذه الميليشيا التي لطالما أرهقت حدودها الشمالية.
الحل القريب
بنظرة عامة دقيقة على القوى المسلحة المتقاتلة في سوريا، لن يخفَ على أي مراقب أن استمرار الوضع على ما هو عليه هو عملية تطهير لمنطقة الشرق الأوسط /منطقة الأزمات/ من كل القوى التي تصنّف "إرهابية" أو مزعجة لاستقرار المنطقة الغير مستقرة أساساً، و لكن استمرار هذا الحال بالتأكيد سيكون له انعكاسات عكسية، فما يبدو إنه استقرار شكليا قد ينقلب إلى امتداد للأزمة إلى دول إقليمية تعتبر هادئة نسبياً، الأمر الذي سيشكل تهديداً مباشراً على المصالح الدولية، لذلك من المتوقع في القريب العاجل، بعد أن تستنزف القوى المتقاتلة قواها على الأرض السورية، أن يتم طرح حل نهائي يُفرض على جميع الأطراف، ستكتبه بلا شك المصالح الدولية، وذلك لتضمن استمرار مصالحها في المنطقة، وربما يكون تأخير جنيف 2 هو تحقيقاً لهذا الأمر.
