• Sunday, 01 February 2026
logo

مسؤولية الدم

مسؤولية الدم
من المؤسف والمخجل ان يكون المرء مصيباً في توقع الكوارث، ليس لأنه لا يتمناها فقط، إنما لأن امنية كل مواطن يحب شعبه ووطنه ان يعيش العراقيون بسلام وفي وجدانهم الآمال الكبيرة في يوم افضل، لكن كل الألم يعتصر وجدان المعنيين بالشأن العام عندما تكون توقعاتهم بعودة ذبح العراقيين صحيحة.
ليست عبقرية ولا قدرة على التنبؤ ان يتوقع المرء عودة القتل الجمعي ، فكل الأجواء المحيطة مكفهرة، سوريا نزيف الدم يتصاعد فيها، وتدمر مدن سورية الغالية، ويقتل فيها عشرات الشبان والشابات يوميا.
وفي الصراع بين عمالقة المنطقة من عثمانيين جدد واموال حلفائهم وجمهورية إيران الإسلامية، نعيش نحن ساحة من سوح صراعهما غير المباشر، لذلك كان النداء الأول هو الأصح، وسيظل “الأحسن”، وليس بعده من خيار “حسن”: المصالحة الوطنية وطي صفحة الماضي، على ان لا تغفل الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، وأن تعاد الحقوق المسلوبة لأهلها، سواء زمن النظام الشمولي، أو ما وقع من تجاوزات بعد خلع النظام في بعض المحافظات، منها بالتأكيد المحافظات الغربية وديالى، ويطلق كل سجين او معتقل لا علاقة له بالقتل الجمعي والتكفيريين.
المؤسف أن عدم حسم بعض الإجراءات، وتمادي “المخبر السري”، عبأ سخطاً، ولم تكن الخبرات العسكرية مؤهلة لمعالجة التظاهرات ولا التفاوض معهم ، فهذا اختصاص غير التفاوض العسكري لفك اشتباك الجيوش والمقاتلين، وقواعد الاشتباك العسكري غير تعامل الأمن الداخلي مع ازماتنا المحلية. ناهيك عن حقيقة أن الكثير من قيادات الداخلية والعسكريين لم يتدربوا على إدارة الخلافات المحلية، في ظل انعدام وعي حقيقي بقيم حقوق الإنسان والمكونات ضمنها، وتراكم تراث خفي للتعامل الزجري والتلويح بـ”التأديب” و”التصفية”. بجانب حقيقة الفارق بين ما يقال وما يطبق على وفق نقص الخبرة في تحويل سريع للأقوال إلى فعل يحتوي الغضب والسخط ويجلب الجميع طواعية إلى تفاهم وطني.
قد يكون الشيخ السعدي في طروحاته، وما دعت له المرجعيات الشيعية قبل ذلك، المنطلق الصحيح لتطويق “الالتهاب الحاد النازف” الذي نعاني منه.
ليس من المهم ان تعقد جلسة نيابية استثنائية لمناقشة التداعيات الأمنية، لكن المهم ترسيخ التطبيق العملي للتمييز اكثر فأكثر بين المجرمين وغير المجرمين، والتخلي عن أي نزعة للعقوبات الجمعية، وضرورة التمييز بين تجريم فكر شمولي شوفيني ومجرمين وبين منتسبين لحزب السلطة.
ما لم نميز بين “الخيط الأبيض والخيط الأسود” لن نستطيع سد منافذ تسلل جرائم قتل مواطنينا، ولن يجف نهر الدم بغير سد منافذ تسلل الإرهاب، في مقدمتها مظالم المواطنين غير المسيئين، وتسييد قيم الرحمة، مع كل الحرص على انصاف ضحايا الشمولية أولاً، بدون تشجيع صيغ التعالي وتهديد الأخرين.
Top