• Sunday, 01 February 2026
logo

القتل الممنهج للإيزيديين

القتل الممنهج للإيزيديين
تتجلى فاشية حزب البعث الذي حكم العراق ليس في منظومته العقائدية المجردة التي تضم نصوصا ورؤى ولوازم تعالج الشان القومي وقضايا التجزئة والوحدة العربية والنظام الاقتصادي المقترح للدولة، بل في الممارسات والتطبيقات التي جرت في ميدان السياسة والحكم، وفي الوصفة الصدامية للبعث على وجه الخصوص، ولا حاجة للاستطراد كثيرا في الفاصلة الصحيحة التي تقول ان الطغيان السياسي كثيرا ما يستند الى نصوص عقائدية مثالية (أو اجزاء منتقاة منها) يجري ليّها ومطّها وتأويلها لكي تلائم مشروع الاستبداد.
تكفي الاشارة السريعة الى ان ابن لادن استند في بناء مشروعه الارهابي التكفيري الاجرامي على نصوص في القران والعقيدة الاسلامية، وقبله وظـّف ستالين وماو وبول بوت مقولات لماركس ولينين في بناء حكم الاستبداد والبطش، كما ان الرأسمالية من حيث هي نظرية للحرية ولنظام مجتمعي بديل للاقطاعية الهمجية تمخضت في اطوارها الصاعدة عن اقبح وابشع التطبيقات متمثلة بالاستعمار وسياسات إخضاع الامم وانظمة النازية والفاشية، والامثلة كثيرة على نماذج حكم وادارة وزعامة شرّعت للقهر بالاستناد الى مدونات نظرية للعدالة والمساواة والثورة.
لقد أنشأت الصدامية نموذجا فريدا وصارخا للدولة الفاشية.. دولة يحكمها فرد واحد مستبد، وتديرها اجهزة مخابرات فوق القانون، وينأى الحزب الحاكم فيها عن موارده العقائدية المثالية ليصبح اداة امنية عمياء لقهر الشارع واستئصال التنوع وتكميم الافواه وسوق الملايين الى ساحات الحرب التي ما إن تتوقف في جبهة حتى تندلع في جبهة ثانية، وكانت حرب القهر القومي للكرد ابشع تلك الحروب، فيما حرصت هذه الدولة على ضبط الولاء لها بقوة الحديد والنار، وعلى ارشاء مواطنيها (او شرائح منهم) بفتات رخاء مؤقته ومكرمات مُذلة، تقدمها بسخاء حين تشعر بخطر التمرد عليها ثم تصادرها حين يبتعد هذا الخطر. اما في مجال الثقافة فقد اغارت الدولة الصدامية الفاشية على مواطن التعددية في الثقافة الوطنية ووضعت غالبية المثقفين الذين لم يتسن لهم الافلات من قبضتها تحت المراقبة والتهديد او الصمت او في صناعة التوصيفات المغشوشة للقائد المستبد.
ومع حالة الاعداد للحرب، وهي حالة “طوارئ” غطت العقود الثلاثة من صعود الفاشية الصدامية (ولو بقي صدام لاستمرت الى الابد) فان اية معارضة او شبهة للاحتجاج حتى في ابسط اشكال لها تُعد خيانة وطنية تكلف اصحابها حياتهم، وبمرور الايام صارت الملايين العراقية، بالنسبة لصدام، قطيعا ووجودا نسبيا، او كوسط مريب ينبغي مراقبته وترويضه على الدوام، بل انه (وعلى خطى هتلر) عني بالاطفال والصبيان على نحو استثنائي لكي يشبوا صداميين ووقودا لحرائق المستقبل ومتشبعين بالولاء المطلق له عبر قطعهم عن عائلاتهم وابائهم وحياتهم الطفولية البريئة.
فاشية البعث، في تطبيقاتها الصدامية، ليست تجربة سقطت مع سقوط صاحبها.. انها تظهر الآن في اشكال كثيرة من النوازع والانحرافات، والممارسات التي تزاول في ميادين السياسة والثقافة والمجتمع، وتسعى الى اعادتها عن طريق العنف والتآمر والارهاب فلول منفلتة. اقول تسعى، وليس كل من يسعى يصل.
“من الأفضل أن تكون مكروهاً لما فيك، على أن تكون محبوباً لما ليس فيك”
اندريه جيد

عبدالمنعم الأعسم

Top