• Sunday, 01 February 2026
logo

بغـداد انسانيـة الوجـه والقلـب...................فوزي الاتروشي

بغـداد انسانيـة الوجـه والقلـب...................فوزي الاتروشي
لم تعد المدن ولاسيما العواصم مجرد مواقع جغرافية للسكن، ولم تعد تجمعات مسوّرة مزدحمة بالقلاع والبوابات التي تحميها من الغزاة ومن الطارئين والغرباء.
كان ذلك في الماضي، اما تقاسيم وتضاريس العواصم والمدن الكبرى فقد اتخذت منحى آخر في حضارتنا الحالية، فالعمران وناطحات السحاب والشوارع الجميلة والمرافق الخدمية المتطورة جزء مهم جدا ولكنه ليس كل شيء. حيث يبقى البعد الجمالي الفني، الادبي، الفكري والبعد الانساني ومدى اتساعه هو الذي يرسم ملامح المدن الفاعلة النابضة بالحياة على سطح الكرة الارضية. فالمدينة بالضرورة تعني التمدن والتحضر، وهي عكس التريف والبداوة والتصحر، والمدينة ولاسيما العاصمة لابد أن تكون متنوعة اثنياً وثقافياً وعمرانياً وفكرياً، لكي تصلح أن تكون ضمن مكونات الحضارة، فالمدن ذات اللون الواحد واللغة الواحدة والسياق الثقافي القومي الواحد تنحسر وتبقى في الظل، في حين تبرز وتشتهر المدن التي تتلاقح وتتحاور وتتعانق انسانياً.
إن مدينة مثل برلين التي يقول عنها الالمان انها منقطعة النظير في العالم لم تصبح كذلك إلّا لأنها تلوّنت الى ابعد الحدود، وصارت احياء بالكامل منها مثل حي (كرويسبيرغ) مسكونة بغير الالمان من الاتراك والاكراد والعرب والافارقة وهو بحق لدى الجميع في المدينة من اجمل الاحياء واكثرها ازدحاما ليلا ونهارا. علما إن كلمة اجنبي لاتطلق هناك وثمة الكثير من الشباب والشابات الالمانيات يكتبون على قمصانهم كلنا اجانب في هذا العالم المترامي الاطراف، وذلك لطمأنة سكان برلين إن كل الساكنين اصحاب حقوق والكل سواسية امام القانون في دولة مؤمنة اشد الايمان بسيادة الدستور والقانون والعدالة والمادة الاولى في دستورها (إن كرامة الانسان غير قابلة للمساس).
والوضع في برلين ذاته في باريس ولندن وجنيف وستوكهولم وامستردام وفرانكفوت ودبي وابوظبي حيث تتعايش فيها وفي بقية مدن دولة الامارات اكثر من مئة جنسية.
ملخص القول إن المدن القاحلة ثقافيا تموت عاجلا، والمدن التي تحتضن وتستقبل الثقافات والاديان والطقوس والشعائر والعادات والسلوكيات البشرية والآثار والتراث غير المادي من شتى بقاع الارض وتضفي عليها الحماية والرعاية وتمنحها مساحة واسعة من قلبها وذاكرتها، نقول إن هذه المدن هي التي ترسم وتوثق وتؤرخ لمجمل التراث الحضاري الحالي، حين يكتب السفر الضخم لحضارة القرن العشرين وهكذا بالضبط نريد بغداد حاضنة للتنوع الثقافي بامتياز وحاملة لالوان كل ابنائها ومكتنزة بذاكرة تاريخية وثقافية وفكرية عن كل الذين مروا بها وابدعوا فيها واسسوا فيها منابر العلم والفن والادب والفلسفة من اي قومية ومن أي دين كانوا فهم بناة هذه الرئة التي لابد إن تتنفس منها كل البشرية.
اذن فأجمل مايمكن إن يقال عن بغداد انها انسانية الوجه والقلب وهذا مايؤهلها حتما لتكون ضمن شبكة المدن الابداعية في العالم. ونضم صوتنا الى صوت الكاتب (نجم سهيل) حين يقول بهذا الصدد إن بغداد بحاجة الى "بناء شراكة قوية في تشجيع التبادل الادبي وخلق مبادرات عابرة للثقافات وتطوير تواصل ادبي محلي ووطني وعالمي واثارة اهتمام المواطنين بحركية الثقافة".
Top