• Sunday, 01 February 2026
logo

من هم الغرباء عن الثقافة العراقية؟................فوزي الاتروشي

من هم الغرباء عن الثقافة العراقية؟................فوزي الاتروشي
الثقافة ببعدها الانساني التلاقحي الحضاري المنفتح على الآخر، والثقافة كونها إبداع ليعرف الحدود والأخاديد القومية والعرقية ويتجه نحو الانسان بذاته، نقول إن هذا المفهوم العميق المغزى للثقافة مازال بعيدا عن البعض الذي ينطوي قوميا أو طائفيا أو دينيا أو حزبيا فيعتبر الآخرين غرباء.

في حين إن الحياة أثبتت إن النتاج الإبداعي الأكثر خلودا في ذاكرة البشرية هو الذي يعرف كيف يستوعب الآخر المختلف والآخر المعارض أو الحامل للون آخر.
إن الوطن العراقي جميل بالموزائيك اللوني المتنوع وبالأصوات المتألقة التي تأتي من عدة روافد ليتشكل نهرا واحدا يفيض بالحب والخير والعافية، فالثقافة العراقية المضيئة بأسماء ألجواهري والسياب ونازك الملائكة وكوران الشاعر الكردي المبدع والشاعر عبداللطيف بندر اوغلو التركماني وسركون بولص السرياني، والمتوهجة بمئات الأعلام في الرواية والقصة والفكر والفن والأغاني المتعددة اللغات، إن هذه الثقافة هي القادرة على الحياة والتطور والنمو. بالعكس فالثقافة التي مجدت الدكتاتور على مدى (35) عاما بالأناشيد والقصائد والنصب والتماثيل والمقالات غابت بلمح البصر مع سقوط الصنم في ساحة الفردوس يوم 9/4/2013.
هناك بيننا عراقيون مازالوا يطرقون على حديد بارد ويحاولون استنساخ الماضي في محاولة مستحيلة ويقيّمون النتاج الإبداعي بمعايير حزبية أو قومية أو طائفية وهذا هو المقتل الحقيقي للإبداع.
لقد ماتت واندثرت كل المدائح والقوالب الجاهزة المحنطة التي مجدت النازية في المانيا والفاشية في ايطاليا والفرانكونية في اسبانيا ونهضت هذه الدول بعد إن ألغت الماضي القبيح ودشنت تجارب تربوية وثقافية وعمرانية وتنموية تغييرية أصبحت مثال الإعجاب والانبهار بعد الحرب العالمية الثانية، ومازالت سائرة بأسرع الوتائر نحو المستقبل المضيء.
فلماذا لا نقرأ هذه التجارب المضيئة ولماذا نرهن حاضرنا ومستقبلنا لماضٍ عانينا جميعا منه الى حد اصبح الوطن العراقي عنوان الحروب والكوارث والتخلف عن الخارطة السياسية للعالم، لان الدكتاتورية الغاشمة والتي استمرت عقودا طوال كانت لاتؤمن اصلا إن ثمة عالم آخر خارج ذهن الدكتاتور المولع بالحروب والتدمير.
الآن في العراق الجديد فان الغرباء عن الثقافة هم كل النرجسيين المنطوين على ذواتهم وكأنهم نازلون من كوكب آخر، وهم كل الفاقدين لفضيلة الايمان بالتنوع في اللغة والفكر والادب والفن لان ذلك هو الاثراء والاغناء الحقيقي لثقافة عراقية صاعدة من الركام والانقاض نحو صروح ناطحة للسحاب وقادرة على الامتزاج بالثقافات العالمية. إن الغرباء هم عشاق القومية الواحدة والطائفة الواحدة والفكر الحزبي السياسي الواحد الذي يلغي الآخرين ويعتبرهم اعداء في حين اقرب الاصدقاء ووجودهم اكثر من ضرورة لثقافة قادرة على الوقوف على قدميها في عالم يتنوع ويتغير ويتطور ويمتلئ بالاغناءات والاضافات على مدار اليوم فالحدود سقطت والسدود تشققت اثر فيضان انهار الابداع، والاشتراطات والقيود ذابت وهربت ومقص الرقيب تكسر الى غير رجعة بفعل عاصفة الحرية.
ولذا اصبح الغريب عن الثقافة هو الواقف وحيدا في صحراء لايكاد يجد فيه واحة يستريح فيها أو قطرة ماء تطفئ ظمأه. وهو يتحمل الذنب لانه منذ البداية آمن بالنفور من الآخر المختلف اما المثقفون العراقيون الحقيقيون المبدعون فهم امل العراق ورسله الى الثقافات العالمية وعنوانه، لان الاوطان وعناوينها لاتقاس بالتضاريس والموقع الجغرافي فحسب، وانما بأسماء المبدعين الأعلام الذين يرسمون هوية الوطن.
Top