• Monday, 02 February 2026
logo

إللي اختشوا ماتوا

إللي اختشوا ماتوا
رجائي فايد
_pukmedia


مثل شعبي مصري شهير، وهو يقابل الحكمة التي تقول إذا لم تستح فافعل ماشئت، وهذا المثل منتشر في مصر على نطاق واسع حالياّ، ويطلق على هؤلاء المتحولون، الذين كانوا حتى قيام الثورة من حملة مباخر النظام السابق وموجهوه ومنظروه وفلاسفته، وعرابو التوريث وكتبته، وبعد الثورة إنقلبوا وراحوا يزعمون أنهم طالما نصحوا النظام السابق وأنهم كتبوا بل وطالبوا بنفس ما تطالب به الثورة، ويطلق أيضاّ على من يجب أن يتوارى عن الأنظار لبشاعة وفحش ما ارتكب، لكنه وبتبجح لايفعل ذلك، فيظل متمسكا وبلا حياء بالظهور، وأصل المثل أن حماما للسيدات نشب به حريق هائل، فمن لم تستح من أولئك النسوة فرت بعمرها هاربة من الحمام وهي عارية، أما تلك التي استحت فقد ظلت بالحمام إلى أن ماتت، وسنضرب بعض النماذج التي لاتمتلك حياءاّ وبالتالي فهي مازالت في الواجهة تتحدث وتكتب وتتصرف وكأن شيئاّ لم يكن وبراءة الأطفال في عيونهم، وسنختم كلماتنا بنموذج صارخ فقد كل معاني وقيم الحياء وتصور أن بإمكانه إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

هو محام شهير معروف عنه كثرة ما يثيره على الساحة من مشاكل، كان عضواّ في مجلس الشعب في دورة سابقة، وكم من مرة كال المديح لرأس النظام ولعائلته، وكم من مرة أعلن عن ولائه المطلق لترشيح جمال مبارك لرئاسة الجمهورية، في موقعة الجمل الشهيرة وقف خطيباّ في الجموع الذاهبة لميدان التحريرلضرب المتظاهرين وإخلاء الميدان منهم، وتم تسجيل خطبته صوتاّ وصورة، وكانت الخطبة مليئة بالبذاءات في حق متظاهري التحرير، وفشلت تجريدة موقعة الجمل وسقط النظام، وهو حاليا مع نجله وزوج إبنته متهمون ويحاكمون مع المتهمين الآخرين في تلك الموقعة، وتأتي المفاجأة التي تستحق هذا المثل بامتياز، أعلن عن نيته للترشيح لرئاسة الجمهورية، ويظهر في الفضائيات متحدثاّ عن أمجاده في معارضة النظام السابق، و، واللي اختشوا ماتوا.

دكتور برتبة لواء سابق في الشرطة، مسيحي، كان عضواّ معيناّ في مجلس الشورى، لايمكن أن يباريه أحد في نفاقه الذي كان للنظام السابق، كان يملأ الفضائيات بصوته الجهوري الصارخ تغزلاّ في أمجاد وإنجازات هذا النظام، ومدافعا بضراوة ضد منتقدي النظام، كانت لافتاته تملأ الشوارع، ونذكر منها (لم ير أقباط مصر عهداّ نعموا فيه مثل عهد مبارك)، (70 مليون مصري يقولون نعم لمبارك) وقال هذا الرقم لأننا كنا كذلك حينئذ، وأذكر أنني التقيت به مرة في إحدى الندوات وقلت له بالحرف الواحد (أرجوك عندما تقول تلك المقولة مرة ثانية قل 70 مليونا إلا ثلاثة حتى تصبح لك مصداقية والثلاثة هم أنا ومحمد وجرجس، لأن هناك على وجه اليقين مواطن إسمه محمد يقول ولو في قرارة نفسه لا لمبارك، وهناك أيضا مواطن إسمه جرجس يقول لا) هذا المنافق الكبير مازال يظهر في الفضائيات بنفس صوته الجهوري ولا توجد لديه ذرة حياء تمنعه من مواجهة الناس، وبالفعل اللي اختشوا ماتوا.

أستاذ أكاديمي كبير، ومن النوع المنتج فكرياّ وليس من هؤلاء الذين يعيدون إنتاج ما أنتجه الآخرون، كان يعتبر من أهم المعلمين والموجهين لجمال مبارك في إطار تسويقه للناس، وكانت مقالاته المطولة شبه اليومية تصب في نفس الإتجاه، وكان الأخطر، لأنه مفكر كبير قادر على التلاعب بالمنطق وإطلاق الحجج المحكمة، هذا المفكر الكبير مازال يكتب ويتحدث في الفضائيات، ويقول بكل تبجح أن ماطالبت به الثورة المصرية، كان يطالب بها في كتاباته وأحاديثه وحواراته مع المسؤولين، وبالفعل اللي اختشوا ماتوا.

ونأتي إلى المثال الأخير وهو مثال صارخ وسيكون مفاجأة لمتلقيه، حرم الرئيس السابق السيدة سوزان ثابت والتي كانت تسمى بالهانم، وكانت تسير وفي ركابها عدة وزراء، وكان لها دور معروف في تعيين بعض الوزراء، السيدة سوزان بدلاّ من أن تتوارى خجلاّ عن الأنظار من هول ما يعلن تباعاّ عن الفساد الذي كانت وراءه (أفرجت عنها النيابة العامة لأسباب غير مفهومة وتعيش حرة طليقة)، بدلا من أن تمتلك قدراّ من الحياء، امتلكت الشجاعة بل والتبجح الذي جعلها تتقدم بطلب إلى نادي هيليوبوليس (وهو من أرقى الأندية في القاهرة) تطلب فيه تنظيم صالون ثقافي أسبوعي يحمل إسمها وتديره بنفسها، واعتذرت إدارة النادي عن تنفيذ طلبها لأنها لاتستطيع تأمينها.

وما أكثر النماذج التي ينطبق عليها هذا المثل لكننا نكتفي بما ذكرناه ، وما أتعس حظ من يستحون ويختشون، لأنهم هم الذين ماتوا، في حين عاش من لايمتلك هذا الحياء، لأن اللي اختشوا ماتوا.
Top