• Wednesday, 14 October 2026
logo

صادق صالح مراقب سياسي من دهوك: نوروز في المهجر يمثل منصةً سياسيةً للتعريف بهوية الناسيوناليزم الكوردية على المستوى العالمي

صادق صالح مراقب سياسي من دهوك: نوروز في المهجر يمثل منصةً سياسيةً للتعريف بهوية الناسيوناليزم  الكوردية على المستوى العالمي

تصنَّفُ الجاليةُ الكوردية القاطنةُ في بلدانِ المهجرِ كأكثرَ من مجردِ تجمعاتٍ بشريةٍ دفعتها قسوةُ العيشِ أو ظروفُ اللجوءِ لمغادرةِ الديارِ، بل تُمثّلُ في واقعِ الأمرِ أثمنَ رأسمالٍ وطنيٍّ واستراتيجيٍّ يمتلكُه إقليمُ كوردستان وعمومُ الأجزاءِ الكوردية الأخرى. ففي كواليسِ مراكزِ صنعِ القرارِ داخلَ القارةِ الأوروبيةِ وفي عمقِ الدوائرِ السياسيةِ الغربيةِ، تبرزُ هذه الجاليةُ كقوةٍ ناعمةٍ ضاربةٍ وجناحٍ دبلوماسيٍّ رفيعِ المستوى، استطاعَ أعضاؤُها نقشَ بصماتٍ واضحةٍ في مفاصلَ حيويةٍ بالغةِ الأهميةِ مثلِ السياسةِ، الفنونِ، الابتكارِ، والعلومِ الصرفةِ، بل ونجحوا في تسلقِ أعلى الهياكلِ القياديةِ ضمنَ أنظمةِ الحوكمةِ في تلكَ البلدانِ المتطورةِ.

إنَّ جوهرَ أهميةِ الوجودِ الكورديِّ في الخارجِ لا يتقوقعُ حصراً ضمنَ إطارِ التمثيلِ الرمزيِّ للهويةِ الناسيوناليزم ، بل تعداها ليصبحَ الركيزةَ الأساسيةَ والعمودَ الفقريَّ للنهضةِ الاقتصاديةِ والإداريةِ في الداخلِ. فالكثيرُ من الكوادرِ والخبراءِ المتخصصينَ الذين يقودونَ المؤسساتِ الحكوميةَ حالياً، هم أولئك الذين جلبوا معهم عصارةَ التجاربِ الدوليةِ والمناهجِ العلميةِ الحديثةِ، سعياً وراءَ عصرنةِ الأنظمةِ المحليةِ وفقَ المقاييسِ العالميةِ. ومن المنظورِ الماليِّ، لعبت الاستثماراتُ الضخمةُ للمغتربين والتدفقاتُ النقديةُ التي يرسلونَها لذويهم في أوقاتِ المحنِ دوراً جوهرياً في لجمِ معدلاتِ الفقرِ وتحفيزِ النموِ العمرانيِّ الشاملِ.

في اللحظاتِ العصيبةِ التي شهدت اعتداءاتٍ سافرةً ضدَّ السيادةِ الناسيوناليزم ، لاسيما الهجماتِ التي استهدفت غربَ كوردستان، أثبتت الجاليةُ قدرتَها الفائقةَ على التحولِ إلى جيشٍ دبلوماسيٍّ شعبيٍّ غيرِ رسميٍّ، نجحَ في استمالةِ وتحريكِ الرأيِ العامِ العالميِّ ضدَّ الظلمِ، مما رسَّخَ صورةَ الكورد كأمةٍ حيةٍ ومناضلةٍ تملكُ قضيةً شرعيةً لا تموتُ. وحتى احتفالاتُ نوروز في المهجرِ، قد تحولت من مجردِ مناسبةٍ ثقافيةٍ تراثيةٍ إلى أداةٍ سياسيةٍ هوياتيةٍ قويةٍ، حيث يستخدمُها الكورد كمنبرٍ لإبرازِ عمقِ تاريخِهم وحجمِ تضحياتِهم أمامَ أنظارِ المجتمعِ الدوليِّ المعاصرِ.

بيدَ أنَّ التحديَ الأكبرَ الذي يعترضُ سبيلَ هذا الموردِ البشريِّ النفيسِ هو انتقالُ عدوى الصراعاتِ الحزبيةِ الداخليةِ إلى بيئةِ المهجرِ. فإلى يومنا هذا، لم تتمكن الجاليةُ من الانعتاقِ التامِ من قيودِ التحزبِ الضيقةِ لبلورةِ خطابٍ قوميٍّ شموليٍّ، إذ أدى انقسامُ القوى السياسيةِ في الموطنِ الأمِ إلى تشتيتِ جهودِ المغتربين. لذا، يتوجبُ على القيادةِ السياسيةِ، إنْ أرادت حقاً استثمارَ هذهِ الطاقةِ، صياغةُ خطابٍ وطنيٍّ موحدٍ في الداخلِ أولاً، لأنَّ تماسكَ الجبهةِ الداخليةِ هو الكفيلُ بجعلِ الجاليةِ كتلةً واحدةً صلبةً تتضاعفُ فعاليتُها وتأثيرُها.

يتعينُ على حكومةِ إقليمِ كوردستان التعاملُ مع الدياسبورا كأولويةٍ قصوى وجسرٍ استراتيجيٍّ يربطُنا بالعالمِ. إنَّ زرعَ الثقةِ بأنَّ هذهِ الكياناتِ تمثلُ التطلعاتِ الوطنيةَ النقيةَ بعيداً عن الأجنداتِ الحزبيةِ، هو سرُّ النجاحِ. فالجاليةُ الكوردية تتوقُ للتلاحمِ، وهي مستعدةٌ لتقديمِ الغالي والنفيسِ لدعمِ وطنِها، شريطةَ وجودِ رؤيةٍ سياسيةٍ ناضجةٍ تستوعبُ قدراتِهم ضمنَ المصالحِ العليا لكوردستان، متجاوزةً بذلك الحدودَ المصطنعةَ، ليتحولَ الوجودُ الكورديُّ في الخارجِ من قوةٍ إسنادٍ إلى محركٍ جوهريٍّ للتغييرِ وحمايةِ الكيانِ الوطنيِّ في المحافلِ الدوليةِ الكبرى التي تضمنُ مستقبلاً مشرقاً للأجيالِ القادمةِ بكلِّ فخرٍ وعزةٍ وإخلاصٍ مطلقٍ للوطنِ.

Top