بيام إبراهيم الكاتبة والباحثة الاجتماعية: الجاليةُ الكوردية رئةً الثانية للوطنِ، بحراكِها الدبلوماسيِّ تُوصِلُ صوتَ الكورد لمراكزِ القرارِ
في أروقة علم الاجتماع المعاصر، يتجلى مصطلح "العابرة للأوطان" كأداة تحليلية رصينة لتفسير تلك الحالة الوجودية المعقدة التي يمر بها المهاجر، حيث لا تقتصر تجربة الاغتراب على مجرد الاستقرار المادي في بلد جديد، بل تمتد لتصوغ علاقة جدلية عميقة مع الوطن الأم، تتجاوز فكرة القطيعة المكانية لتخلق انتماءً وجدانياً متعدد الأبعاد والمستويات. تبرز الجالية الكوردية والشتات في مختلف أصقاع المعمورة كنموذج حيوي ومثالي لهذه الأطروحة السوسيولوجية، فبرغم ما يوفره بلد المهجر من حقوق المواطنة، والأمان الاجتماعي الشامل، والرفاهية الاقتصادية الواعدة، إلا أن هذه المكتسبات لا تؤدي أبداً إلى ذوبان الهوية أو تلاشي الانتماء القومي الراسخ. بل على العكس تماماً، يلاحظ المراقبون أن الكورد في المهجر يبدون تمسكاً بصلابتهم الثقافية وحرصاً على الهوية الناسيوناليزم يفوق أحياناً ما نلمسه لدى المقيمين في الداخل، وكأن الغربة القاسية قد أذكت جمرة الشوق إلى الجذور التاريخية الأصيلة.
يتجسد هذا الانتماء الفولاذي بوضوح جلي في أزمنة المحن الكبرى والأزمات الوطنية العصيبة، إذ يغدو الشتات الكوردي الرئة المالية التي يتنفس بها ذووهم في الداخل، واللوبي السياسي المؤثر الذي يحمل القضية الكوردية العادلة إلى عتبات مراكز القرار الدولي الكبرى. إن تأسيس المنظمات المدنية والمراكز الثقافية والتعليمية في قلب العواصم الغربية يمثل استراتيجية واعية للحفاظ على اللغة الأم، والتي تمثل نبض الحياة، وصون الموروث التاريخي من الاندثار في خضم العولمة. إن تكثيف العمل التربوي وإدراج السرديات الكوردية في الكتب والأنشطة المدرسية يضمن عدم انقطاع الأجيال الناشئة عن تاريخها الموغل في القدم، فاليقين بالانتماء لكيان وحضارة عريقة يمنح الإنسان طمأنينة روحية وحصانة نفسية، تجعله يواجه تحديات الاغتراب بوعي واثق وفخر قومي لا يلين أمام الصعاب.
علاوة على ذلك، لا تعتبر الاحتفالات الناسيوناليزم الكبرى كعيد "نوروز" وإيقاد شعلته المقدسة بملابسنا الكوردية الزاهية مجرد طقوس تراثية عابرة، بل هي رسائل سياسية بليغة تؤكد وحدة المصير وتعرف شعوب العالم بعظمة هذه الأمة وكبريائها. لقد تجلى أثر هذا التلاحم المصيري إبان الأزمات المفصلية، كما حدث خلال التضامن العالمي مع "روج آفا"، حيث شكل الشتات ضغطاً دولياً غير مسبوق في التاريخ المعاصر، مما خلق نسيجاً من التضامن الإنساني الفريد. هذا التأثير النوعي امتد ليصل إلى قطاع الفنون الإبداعية، حيث حلقت السينما الكوردية في فضاءات المهرجانات العالمية المرموقة، كما أن العقول المهاجرة العائدة تحمل معها خبرات حداثية تساهم في صياغة مستقبل مشرق ومزدهر عبر الأجيال.
لذا، يجب على العائلات في ديار الغربة ألا تسمح بتآكل اللغة لدى أبنائها، وبالمقابل يتعين على المؤسسات التربوية المحلية تعزيز الهوية الوطنية بأساليب مبتكرة، ومنها ارتداء الكوادر التعليمية للزي الكوردي كقدوة بصرية تعمق مفهوم الانتماء في نفوس الطلبة. وفي هذا الإطار المعرفي المتكامل، يأتي كتابي الموسوم "٢١ أختاً لشمس كوردستان" ليسرد تاريخنا بأسلوب فانتازي مدهش للأطفال، ومن المزمع عرضه في معرض "غوتنبرغ" الدولي للكتاب بالسويد. إن غايتنا الكبرى هي بناء جسور أسطورية متينة تربط الطفل بوطنه الكوردي، ليكون مسلحاً بوعي فائق وهو يواجه العالم بتحدياته، معتزاً بهويته التي ستبقى خالدة.
