• Tuesday, 13 October 2026
logo

بيكه س برواري :لقد تجاوز الفضاء الرقمي كافة الحدود والقيود، ليصهر الكورد في شتات العالم حول هوية جامعة

بيكه س برواري :لقد تجاوز الفضاء الرقمي كافة الحدود والقيود، ليصهر الكورد في شتات العالم حول هوية جامعة

تحول الشتات الكوردي في العصر الحديث من مجرد مجموعات مهاجرة مشتتة تائهة، إلى قوة استراتيجية ضاربة وكيان جيوسياسي متكامل يمتلك طاقات بشرية وفكرية واقتصادية عظيمة. اليوم، لم يعد كورد الخارج مجرد مراقبين سلبيين، بل أضحوا فاعلين مؤثرين بارزين في الميادين السياسية والأكاديمية والمهنية داخل المجتمعات المتقدمة التي استقروا فيها. برهنت تجارب الأعوام المنصرمة أن هذا النسيج الحيوي قد ترفع عن قيود الحزبية المقيتة والمناكفات الأيديولوجية الضيقة، ليبلغ مرحلة متقدمة من الوعي بالهوية الوطنية الجامعة. فبات أي حراك سياسي أو مأساة إنسانية في أي جزء من كوردستان، يتردد صداه كقضية مصيرية وموقف قومي موحد يهز الضمير العالمي، وهذه هي القوة الناعمة الكامنة القادرة على إعادة صياغة التاريخ الكوردي المعاصر بروح جديدة.

وعلى الرغم من غياب "لوبي" كوردستاني مؤسساتي منظم يضاهي التجمعات الضغطية العالمية، إلا أن تشتت القوى السياسية التقليدية لم يمنع ولادة ردود فعل شعبية مليونية عابرة للحدود. أثبت كورد المهجر قدرتهم الفائقة على تذليل الحدود الاصطناعية وصهرها في بوتقة صوت وطني واحد إبان الأزمات. إن هذه الكتلة البشرية العظيمة، إذا ما نُظمت وفق أسس عصرية وعلمية، ستشكل أكبر أداة ضغط سياسي على القوى السياسية في الداخل الكوردستاني، لإرغامها على التوحد وتغليب المصالح الناسيوناليزم  العليا. وبحكم نشأة أجيال الشتات في بيئات ديمقراطية ليبرالية، فإنهم مؤهلون لتقديم نموذج سياسي حضاري يضع الازدهار الوطني فوق كل اعتبار حزبي ضيق.

من جهة أخرى، أفرزت الفرص العلمية والأكاديمية في الغرب جيلاً كوردياً مبدعاً من ذوي الاختصاصات الرفيعة، يتبوؤون مقاعد مرموقة في البرلمانات ومراكز صنع القرار والجامعات العالمية. وهنا تبرز المسؤولية التاريخية لحكومة إقليم كوردستان والمؤسسات الوطنية في بناء جسور تواصل متينة مع هذا الرأسمال البشري الثمين. إن إثراء البنية التحتية المعرفية في الداخل يتطلب نقل الخبرات التكنولوجية والأنظمة المتقدمة عبر تلك الكفاءات. فالإنسان الكوردي، متى ما أتيحت له البيئة القانونية المناسبة، يبدع ويتفوق، لذا يجب استثمار هذه الطاقة في مشاريع التنمية والتربية الوطنية لتقليص الفجوة الحضارية بين الداخل والخارج وصهرها في وحدة معرفية متكاملة تخدم الأمة.

كما يلعب الفضاء الرقمي دوراً تاريخياً محورياً في تعزيز هذا الاندماج، إذ لم تعد الحدود الجغرافية أو الرقابة السياسية قادرة على حجب المشاعر الناسيوناليزم  المشتركة. تشكل مجتمع افتراضي موحد عبر الإنترنت، يشعر فيه الكورد في كافة أصقاع الأرض بوحدة المصير. إن النماذج الملهمة مثل قضية الشهيدة جينا أميني وأحداث روج آفا، أثبتت أن منصات التواصل الاجتماعي قادرة على إيصال الصوت الكوردي إلى أروقة القرار الدولي. وهذه الأداة العصرية، إذا استُخدمت بوعي تربوي وخطاب سياسي رصين، ستغدو سلاحاً قومياً فعالاً لكسر جدار العزلة السياسية الذي فرضه الخصوم تاريخياً على الشعب الكوردي.

أما فيما يخص التوازن بين الانتماء القومي والمواطنة في دول المضيف، فقد قدم الشتات الكوردي نموذجاً حضارياً استثنائياً. إن كونه مواطناً مخلصاً وناجحاً في دول مثل النرويج والسويد وفرنسا لا يتعارض مع هويته الكوردية، بل يمنحه منصة قانونية وديمقراطية قوية لخدمة قضيته بأساليب مدنية متطورة. فالإنسان حين تُصان حقوقه في ظل الديمقراطية، يتعمق لديه الانتماء الإنساني والارتباط بوطنه الأم، ويصبح صوته أكثر فاعلية وتأثيراً.

ختاماً، إن المستقبل القومي للأمة الكوردية مرهون بمدى قدرتنا على الربط العضوي بين القوى الداخلية وطاقات الشتات الجبارة. يمكن لهذا الشتات أن يمثل المظلة الوطنية التي تنقذ المشهد السياسي الداخلي من التشرذم، وتدفعه نحو التلاحم والوحدة. إن هذه القوة، إذا وُجهت ببوصلة صحيحة، لن تغير موازين القوى فحسب، بل ستعيد تقديم الكورد للعالم كأمة حية، طموحة، وعصرية. وهذا ليس مجرد حلم، بل هو ضرورة حتمية واستراتيجية للبقاء والانتصار في عالم يموج بالتحولات الكبرى المتسارعة.

Top