د. أحمد محمد عبدو الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية بجامعة دهوك: دبلوماسية الشتات تُخرج القضية الكوردية من الإطار الأمني، وتُعرّفها بوصفها قضية سياسية وهوياتية
استعرض الدكتور أحمد محمد عبدو الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية ومسؤول وحدة الدراسات العليا في كلية العلوم السياسية بجامعة دهوك، رؤاه ومقترحاته خلال حلقة نقاشية بعنوان «دور الشتات الكوردي خارج الفضاء الوطني في تعزيز الناسيوناليزم .
في المستهل، نثني على قسم الثقافة والإعلام في الحزب الديمقراطي الكوردستاني لتنظيم هذه الندوة الحوارية رفيعة المستوى حول "الشتات الكوردي والناسيوناليزم "، التي تعد من القضايا الجوهرية والمتعددة الأبعاد، مما يستوجب تشخيص كافة مسبباتها وتفاصيلها بمنهجية علمية رصينة. ترتبط القضية الكوردية في العراق وسوريا بشكل وثيق بالتفاعلات السياسية والأمنية، الإقليمية منها والدولية، لاسيما حين يتم ربطها في بعض الخطابات بمفاهيم الإرهاب، والاضطراب، والهجرة القسرية. إن هذه التصورات النمطية تؤثر بعمق على صورة القضية الكوردية لدى دول ومجتمعات المهجر، وتنعكس مباشرة على أنماط تعاطيها مع المطالب والأنشطة الكوردية. ومن هذا المنطلق، تبحث هذه الورقة في الدور الحيوي الذي تلعبه الدبلوماسية غير الرسمية للشتات الكوردي لمواجهة تلك التصورات، وإعادة تقديم القضية بوصفها قضية سياسية، هوياتية، وحقوقية عادلة. يتمحور التساؤل الرئيس حول: مدى قدرة الدبلوماسية غير الرسمية للشتات الكوردي على التصدي لعملية "أمننة" القضية الكوردية، وإعادة طرحها كقضية سياسية وحقوقية بامتياز؟ تعتمد هذه الدراسة المنهج التحليلي، عبر تفكيك الخطابات، والتصريحات، والمواقف السياسية، فضلاً عن إجراء ست مقابلات معمقة مع أكاديميين، وباحثين، وناشطين في المهجر. وقد أُنجز هذا البحث استناداً إلى أطر نظرية متقدمة، متمثلة في نظرية "الأمننة" ونظرية "المجمع الأمني الإقليمي"، لتقديم رؤية علمية شاملة حول كيفية تحويل المسار من المنظور الأمني الضيق إلى الفضاء السياسي والحقوقي الرحب الذي تستحقه القضية الكوردية وتطلعات شعبها المشروعة في المحافل الدولية. إن تعزيز الوعي العالمي بهذه الحقوق يمثل حجر الزاوية لترسيخ مسار بناء الناسيوناليزم .
المحور الأول: "أمننة" القضية الكوردية وصناعة تمثلات التهديد الإقليمي الصارخ
تتبلور عملية "الأمننة" في السياق الكوردي المعاصر عندما يتم ربط المطالب الجوهرية المتعلقة بالهوية، والحقوق السياسية، والخصوصية الناسيوناليزم والثقافية، بمفاهيم حادة كالإرهاب، وأمن الدولة المطلق، ووحدة الأراضي المقدسة، وأمن الحدود السيادية، وحالة عدم الاستقرار المستدامة. يتجلى هذا المسار بشكل منهجي ورسمي في الخطاب السياسي للدولتين التركية والإيرانية؛ حيث يتم اختزال واقع إقليم كوردستان العراق ومنطقة "روج آفا" في علاقات متشابكة مع مجموعات كوردية تصنفها هذه الأنظمة كمنظمات إرهابية أو تهديدات وجودية تمس صلب الأمن القومي. في المشهد التركي، تُدرج قوى مثل حزب العمال الكوردستاني، وحزب الاتحاد الديمقراطي، ووحدات حماية الشعب، ضمن أطر سردية تركز على مكافحة الإرهاب والسيادة الوطنية، كما تُفسر التحولات السياسية في الشمال السوري من منظور أمني ضيق يتعلق حصراً بأمن التخوم الجغرافية والاستقرار الإقليمي المنشود. أما في المقاربة الإيرانية، فإن المؤسسات الرسمية تربط فصائل المعارضة الكوردية المتمركزة في إقليم كوردستان العراق بمخاطر بنيوية تمس الأمن القومي وتوازن الحدود، وتتعامل مع هذه الملفات ضمن مقاربات أمنية صارمة ترتبط بآليات الاستقرار الداخلي والتموضع الإقليمي. ولا ينحصر تأثير هذا الخطاب في ثنائية الإرهاب والأمن القومي فحسب، بل يمتد ببراعة ليشمل قضايا الاضطرابات الكبرى وموجات الهجرة البشرية نحو القارة الأوروبية. فعندما تُربط النزاعات الإقليمية والقضية الكوردية بحالات الانفلات الأمني والنزوح الجماعي، فإن هذه التصورات المشوهة تنتقل تدريجياً إلى البيئة الأوروبية، مما يؤثر بعمق على صورة القضية الكوردية لدى المؤسسات الدولية والمجتمعات الغربية المتلقية. من هنا، تبرز الأهمية الاستراتيجية الكبرى لضرورة التمييز الدقيق والموضوعي بين القضية الكوردية العادلة بوصفها قضية هوية جوهرية وحقوق سياسية وقومية وثقافية مشروعة تاريخياً، وبين تلك الجماعات المسلحة التي تُعرفها بعض القوى الإقليمية الفاعلة كتهديدات أمنية محضة أو مخاطر إرهابية. إن دمج هذين المسارين المتباينين عمداً يؤدي بالضرورة الحتمية إلى سحب المظلة الأمنية الشاملة لتشمل المجتمع المدني والهوية الكوردية ككل، مما يفاقم الأزمة الوجودية والإنسانية في المنطقة. وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً ملموساً في ظل التناقضات الصارخة داخل البيئة الإقليمية الجيوسياسية؛ فبينما كانت أطراف كوردية فاعلاً أساسياً وشريكاً دولياً موثوقاً في معارك دحر تنظيم "داعش" المتطرف والإرهاب العالمي، تصر دول إقليمية معينة على تصنيفها دوماً كتهديدات أمنية وجودية لا يمكن التغافل عنها. بناءً عليه، فإن تداعيات عملية "الأمننة" تتجاوز الحيز الميداني لتخترق الفضاءات الدبلوماسية المعقدة بشكل جذري.
المحور الثاني: دبلوماسية الشتات وإعادة صياغة تمثيل وأبعاد القضية الكوردية
في مواجهة التصورات النمطية السائدة، تستطيع دبلوماسية الشتات الكوردي غير الرسمية أن تلعب دوراً استراتيجياً في إعادة هيكلة وبناء عرض القضية الكوردية، وذلك عبر تفكيك ارتباطها التقليدي بالإطار "الأمني" الضيق وربطها بآفاق إنسانية وأخلاقية أرحب، تشمل صون الهوية الوطنية، وترسيخ الحقوق السياسية، وحماية الميراث الثقافي. يبدأ هذا المسار الجوهري بتطوير خطاب كوردي رصين، منظم، وموحد، يرتكز على قيم المصداقية والتوثيق الأكاديمي، مع ضرورة التشديد على الفصل الواضح والدقيق بين التطلعات السياسية والحقوقية المشروعة وبين أنشطة الجماعات المسلحة، بما يضمن توضيح جوهر عدالة القضية لكافة المؤسسات السياسية، والمحافل الأكاديمية، والمنصات الإعلامية المؤثرة في دول المهجر. علاوة على ذلك، يمتلك الشتات الكوردي القدرة الكافية على تفعيل قنوات تواصل دبلوماسية حيوية، كالجامعات العالمية، ومراكز الفكر الاستراتيجي، والبرلمانات الوطنية، ومنظمات المجتمع المدني الحقوقية، من خلال تنظيم المؤتمرات العلمية الرصينة، والندوات الفكرية المعمقة، وإصدار أوراق السياسات والتقارير الموثقة. إن الغاية الأساسية هنا لا تقتصر على مجرد نقل الموقف السياسي الكوردي، بل تمتد لتشمل التأثير العميق في "النماذج الإدراكية" والمعرفية التي يتم من خلالها تداول وفهم القضية الكوردية في الساحة الدولية.
كما تتطلب هذه الدبلوماسية تعزيز الارتكاز المعرفي والمعلوماتي، عبر توفير قواعد بيانات إحصائية دقيقة حول تاريخ النضال التحرري، والواقع السوسيوسياسي المعاصر، وتسليط ضوء كثيف على ملفات الضحايا، والمفقودين، واستحقاقات العدالة الانتقالية والمساءلة القانونية الدولية في مرحلة ما بعد دحر تنظيم داعش الإرهابي، لتوظيف هذه المعطيات في دحض الصور الذهنية السلبية. بالتوازي مع ذلك، يمثل الحفاظ الواعي على الهوية الكوردية في بلاد الاغتراب، عبر صون اللغة الأم، والتراث الحضاري، والذاكرة الجماعية للأجيال الناشئة الثانية والثالثة، ركيزةً سياديةً وجوهريةً لنجاح هذه الدبلوماسية الثقافية. ومع ذلك، تشير المعطيات البحثية الراهنة إلى أن دبلوماسية الشتات الكوردي لم تبلغ بعد مستوى الفعالية المؤسساتية المنشودة في مواجهة عمليات الأمننة أو ممارسة تأثير مستدام في البيئة الدولية، نظراً لوجود عقبات داخلية تتمثل في التشرذم الحزبي، وتشتت المبادرات الفردية، غياب التنسيق الهيكلي ووحدة الخطاب. كما تصطدم هذه الجهود بعوائق خارجية صلبة في دول المهجر، تتعلق بتعارض المصالح الجيوسياسية، والقيود القانونية، والحساسيات المفرطة تجاه ملفات الإرهاب العابر للحدود وقضايا الهجرة. لذا، ولمواجهة هذه التحديات الجسيمة، يتوجب على دبلوماسية الشتات الكوردي الارتقاء بأدواتها، والتحول من نمط دبلوماسية رد الفعل الظرفية المرتبطة بالأحداث الطارئة، إلى بناء دبلوماسية مؤسساتية، استباقية، ومستدامة. دبلوماسيةٌ قادرةٌ على تزويد مراكز صناعة القرار بالبيانات الموثقة، وبناء شراكات وثيقة مع مؤسسات الدول المضيفة المؤثرة، بما يضمن تأمين مكانة تليق بعدالة القضية الكوردية.
الخلاصة:
يبرهن هذا العرض على أن "أمننة" القضية الكوردية لا تنحصر ضمن سياق الخطاب والسياسات الأمنية لكل من تركيا وإيران فحسب، بل تمتد تداعياتها لتشمل البيئة الدولية برمتها، خاصة حينما يتم ربط هذه القضية بملفات الإرهاب، زعزعة الاستقرار، وتدفقات الهجرة. إن تكريس هذه المفاهيم وتصديرها يسهم في صياغة صورة نمطية مشوهة عن عدالة القضية الكوردية لدى بعض الدول والمجتمعات المستضيفة. وفي مواجهة هذا التحدي، تبرز دبلوماسية الشتات غير الرسمية كأداة استراتيجية بالغة الأهمية لإعادة تقديم القضية الكوردية في إطار سياسي وهوياتي وحقوقي مشروع، مع التشديد على الفصل التام بين جوهر القضية والجماعات المسلحة المرتبطة بالنقاشات الأمنية الصرفة. تشير الدراسة إلى أن الشتات الكوردي يمتلك طاقات هائلة، غير أنه يواجه عقبات داخلية وخارجية تعيق ممارسته لدور منظم ومستدام. لذا، يغدو تطوير دبلوماسية الشتات رهيناً بالانتقال من المبادرات الفردية العفوية نحو بناء استراتيجية مؤسساتية متكاملة ترتكز على التنسيق الوثيق والمعلومات الموثقة والمعرفة العلمية الرصينة. وبناءً عليه، فإن صون الهوية الناسيوناليزم الكوردية لم يعد مقتصرًا على حفظ التراث واللغة، بل أضحى مرتبطًا بقدرة النخب الكوردية في المهجر على بناء حضور سياسي واجتماعي وعلمي راسخ في بلدانهم الجديدة، بما يضمن ديمومة القضية وحشد الدعم الدولي اللازم والمستمر لنصرتها وتحقيق تطلعاتها.
المقترحات:
أولاً: صياغة استراتيجية موحدة ومستشرفة لدبلوماسية الشتات
تتجلى الضرورة الملحة في وضع استراتيجية بعيدة المدى لدبلوماسية الشتات الكوردي، ترتكز بصفة جوهرية على تقديم القضية الكوردية بوصفها قضية سياسية، هوياتية، وحقوقية عادلة. ويتطلب ذلك رسماً واضحاً للحدود الفاصلة بين جوهر القضية الكوردية وبين الجماعات والملفات التي تُدرج ضمن الأطر الأمنية الضيقة. كما تقتضي هذه الاستراتيجية إرساء ميكانزمات دقيقة لرصد وتتبع التحولات السياسية والأمنية في دول المهجر، بما يضمن لمنظمات الشتات سرعة الاستجابة والمبادرة، وتهيئة المواقف والمعطيات اللازمة لقطع الطريق أمام تحول الأزمات العارضة إلى تصورات ذهنية سلبية لدى المجتمعات المضيفة.
ثانياً: بناء شبكة تنسيق مؤسساتية للتواصل الدولي
يتوجب العمل على تشييد شبكة تنسيقية متكاملة تربط بين المنظمات والجمعيات الكوردية في بلدان المهجر، على أن تكون هذه الشبكة حلقة وصل فاعلة مع الجامعات، مراكز البحوث، البرلمانات، المؤسسات الإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني الدولية. تهدف هذه الخطوة إلى توحيد الجهود المبعثرة والحد من تشتت المبادرات والخطابات السياسية. ومن شأن هذه الشبكة فتح قنوات اتصال دائمية مع المؤسسات الأوروبية والدولية المعنية بمجالات حقوق الإنسان، العدالة، والمسؤولية الأخلاقية، لضمان انتقال نشاط الشتات من مجرد رد فعل لحظي على الأزمات إلى وجود مؤسساتي مستدام ومؤثر في مراكز صنع القرار.
ثالثاً: تأسيس مركز أبحاث الشتات ودعم الدبلوماسية بالمعرفة
يقترح البحث تأسيس "مركز دراسات الشتات الكوردي" في جامعة دهوك، ليكون بمثابة المنصة الأكاديمية الرابطة بين البحث العلمي الرصين والممارسة الدبلوماسية الميدانية. يضطلع المركز بمسؤولية تزويد الباحثين والنشطاء بقواعد بيانات موثقة ونتائج بحثية دقيقة حول أوضاع الجاليات، والخطابات السائدة، والتصورات المتعلقة بالقضية الكوردية في الخارج. كما يعمل المركز على إعداد أوراق السياسات والملفات المعلوماتية لاستخدامها في المؤتمرات والندوات الدولية، مما يسهم في تحويل دبلوماسية الشتات من دبلوماسية "عفوية ورد فعل" إلى دبلوماسية رصينة ترتكز على المعرفة، البيانات، والأداء الاستباقي الاحترافي.
رابعاً: إطلاق برنامج "سفراء المعرفة والروابط الكوردية" لنخبة الشتات
يوصي المقترح بتبني حكومة إقليم كوردستان لبرنامج وطني مستدام يستهدف استقطاب النخب الكوردية في الشتات، بمن فيهم أساتذة الجامعات العالمية، الحاصلون على جوائز علمية دولية، المبتكرون، والخبراء في المجالات الحيوية. يهدف البرنامج إلى تفعيل دور هؤلاء الكفاءات كـ "سفراء للمعرفة"، ليكونوا جسوراً لتبادل الخبرات وتعزيز الهوية الناسيوناليزم والثقافية واللغوية. كما يسعى البرنامج إلى خلق توأمة مؤسساتية بين الشخصيات الكوردية المؤثرة عالمياً وبين المؤسسات العلمية والثقافية داخل الإقليم، بما يخدم المصالح الاستراتيجية العليا لكوردستان.
المقترح الجوهري للتنفيذ
إن الركيزة الأساسية لهذا المقترح تتمثل في إيجاد سلسلة مؤسساتية متناغمة تربط بين البحث العلمي، منظمات الشتات، والمجتمع الدولي. بحيث يتولى "مركز البحوث" إنتاج المعرفة والداتا، بينما تقوم "شبكة الشتات" بتحويل هذه البيانات إلى رسائل وأدوات دبلوماسية مؤثرة، في حين تفتح المؤسسات الأكاديمية والسياسية في دول المهجر فضاءات الحوار والتفاوض. إن هذا التكامل المؤسساتي كفيل ببناء دبلوماسية كوردية منظمة وقادرة على مواجهة سياسات "الأمننة"، وحماية الهوية الوطنية الكوردية وفق أسس علمية وسياسية مستدامة، بما يضمن حضوراً لائقاً للقضية الكوردية في المحافل الدولية كقضية إنسانية وحضارية عادلة.
