فك شفرة التوحد.. دراسة تكشف سر عجز دماغ الأطفال عن "قراءة" الوجوه
سلطت دراسة طبية حديثة، قادها باحثون من جامعتي هيوستن وييل الأميركيتين، الضوء على آليات عمل الدماغ لدى الأطفال المصابين بطيف التوحد (ASD) [0.1.1، 0.1.2]، مقدمةً تفسيراً عصبياً دقيقاً لظاهرة تجنبهم الشهير للتواصل البصري مع الآخرين.
الدراسة التي نُشرت في مجلة «نتشر» للصحة النفسية (Nature Mental Health)، أثبتت أن المشكلة تكمن في اختلافات تركيبية وجوهرية داخل الدماغ، وتتجاوز مجرد كونها اضطراباً سلوكياً يمكن تعديله بالتدريب التقليدي.
التوافق العصبي المفقود
تعتمد عملية "معالجة الوجوه" لدى الإنسان الطبيعي على منظومة بالغة التعقيد تتطلب توافقاً عصبيّاً، وبصريّاً، وعاطفيّاً فائِق السرعة؛ إذ يحلل الدماغ ملامح الوجه وتعبيرات المشاعر (سواء كانت فرحاً، أو حزناً، أو غضباً) في أجزاء من الثانية.
بالنسبة لمرضى التوحد، تمثل هذه العملية تحدياً مزدوجاً يبدأ منذ الطفولة ويمتد حتى البلوغ؛ حيث يعجز المصاب عن التعرف السريع على هوية الشخص (حتى لو كان قريباً)، وتغيب عنه القدرة على فك التعبيرات العاطفية المرافقة للنظرات، مما يؤدي تلقائياً إلى انسحابهم نحو العزلة الاجتماعية.
ماذا كشف تخطيط الدماغ (EEG)؟
شملت الدراسة مقارنة النشاط العصبي لنحو 400 طفل من فئات عمرية مختلفة، قُسّموا بين مصابين بالتوحد وأقران أصحاء (مجموعة ضابطة)، عبر استخدام جهاز رسم المخ الكهربائي (EEG):
• جمود الإشارات العصبية: أظهرت النتائج أن الاستجابة العصبية لرؤية الوجوه لدى أطفال التوحد كانت باهتة وغير مميزة، حيث يواجه الدماغ صعوبة في التمييز بين النظر إلى "وجه بشري" والنظر إلى "جماد عادي".
• فجوة النمو العصبي: في الوقت الذي تتطور فيه قدرة الأطفال الأصحاء على معالجة الوجوه وتصبح أكثر دقة وتخصصاً مع تقدمهم في السن، تظل هذه الإشارات ثابتة وضعيفة لدى مصابي التوحد دون أي تغيير يُذكر بغض النظر عن التقدم في العمر.
تأخر مؤشر "الـ 170 مللي ثانية"
بينما ركزت الأبحاث السابقة على المؤشر الحيوي الرقمي (N170) — وهو التغير الكهربائي الذي يحدث في الدماغ بعد 170 مللي ثانية فقط من وقوع العين على الوجه — أثبتت الدراسة الحالية أن هذا المؤشر يعاني من تأخير وتشوش ملحوظ لدى المصابين بطيف التوحد، مما يجعل التنبؤ بنظراتهم أمراً صعباً ويدفعهم لا شعورياً لتجنب المواجهة البصرية.
تغيير في الاستراتيجية العلاجية
تنسف هذه المؤشرات الأسلوب الطبي التقليدي الذي اتبعه الأطباء لسنوات، والداعي للإصرار على إجبار طفل التوحد على "التواصل البصري المباشر" أثناء الحديث. وأكد الباحثون أن هذا الأسلوب أثبت فشله؛ لأن الامتناع عن النظر ليس عناداً سلوكياً بل عجزاً عصبياً بنيوياً في ترجمة المشاعر.
ودعت الدراسة إلى ضرورة التعامل مع المصابين وفقاً لمبدأ "الفردية"، نظراً لأن التوحد عبارة عن طيف واسع تتفاوت فيه حدة الأعراض من طفل لآخر، مع التركيز على ابتكار طرق تفاعل اجتماعي بديلة ومريحة للطفل دون إجباره على التركيز البصري المرهق لدماغه.
