ناقوس خطر من العراق… ودخان في لندن
مصطفى عبدالكريم قايتەوەني
هناك أحداث تمرّ في لحظتها كخبر عابر، ثم تكشف الأيام أن وراءها أسئلة أكبر بكثير من حجمها الظاهر، وهناك تحذيرات سياسية وأمنية قد تبدو للبعض مبالغاً فيها عند صدورها، قبل أن تفرض الوقائع نفسها وتعيد فتح النقاش حول مضمونها.
بين العراق وكوردستان من جهة، وبريطانيا من جهة أخرى، تبدو اليوم صورة تستحق التوقف عندها؛ تحذيرات متكررة من مخاطر الفراغ الأمني في العراق وكوردستان، بالتزامن مع حادث أمني خطير قرب قاعدة RAF Fairford البريطانية التي تستخدمها القوات الأمريكية.
فهل نحن أمام مجرد تزامن زمني؟ أم أن الرسالة الأعمق هي أن الفراغ الأمني، أينما ظهر، يمكن أن يفتح أبواباً لمخاطر تتجاوز الحدود؟
من تحذير بارزاني عام 2011 إلى عودة السؤال اليوم
في عام 2011، ومع بدء الانسحاب الأمريكي من العراق، حذّر الرئيس مسعود بارزاني رئيس إقليم كوردستان آنذاك، من أن خروج القوات الأمريكية قد يعرّض العراق لمخاطر كبيرة، بينها احتمال اندلاع حرب أهلية. وقد وثقت تقارير صحفية في ذلك الوقت تحذيره من تداعيات الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية. وبعد سنوات، عاد تنظيم داعش ليحتل مساحات واسعة من العراق وسوريا، ابتداءً من عام 2014، لتدخل المنطقة في واحدة من أكثر مراحلها دموية واضطراباً، ولتدفع الملايين إلى النزوح واللجوء، فيما تعرضت مدن ومؤسسات وبنى تحتية في العراق وسوريا لدمار واسع، بطبيعة الحال، أن تحذير عام 2011 وحده يفسر كل ما حدث لاحقاً؛ فصعود داعش كان نتيجة مجموعة معقدة من العوامل السياسية والأمنية والعسكرية والاجتماعية في سوريا والعراق وليبيا واليمن وغيرها . لكن تسلسل الأحداث يعيد إلى الواجهة سؤالاً مهماً: ماذا يحدث عندما تنسحب قوة عسكرية كبيرة من منطقة لم تُستكمل فيها بعد ترتيبات أمنية قادرة على ملء الفراغ؟
ناقوس خطر آخر في لندن
في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، نشرت جريدة (خبات) الكوردية، في عددها 5864، مقالتي بعنوان:
(الرئيس بارزاني ورئيس الوزراء البريطاني في التوقيت نفسه يدقّان ناقوس الخطر). وكانت الفكرة الأساسية للمقال تتمحور حول تحذيرات صدرت آنذاك من الرئيس بارزاني، وبوريس جونسن رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت، في سياق قراءتهما التطورات الأمنية والسياسية في المنطقة، كانت الرسالة التي أردت إبرازها آنذاك أن مراقبة حركة الجماعات المسلحة والإرهابية، وفهم طبيعة التحولات الأمنية في العراق وسوريا والمنطقة، لا يمكن أن تكون مسألة ظرفية؛ لأن الخطر الذي يبدأ في منطقة مضطربة قد لا يبقى محصوراً داخل حدودها، واليوم، وبعد سنوات، يبدو أن هذا السؤال لم يفقد أهميته.
27 أيلول 2026: حادث RAF Fairford
في الساعات الأولى من يوم الأحد 27 أيلول/سبتمبر 2026، تلقت الشرطة البريطانية بلاغاً بشأن ثلاث مركبات مشبوهة كانت تبدو متجهة نحو قاعدة RAF Fairford في غلوسترشير قرب لندن عاصمة المملكة المتحدة، وبحسب شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية، استجاب ضباط مسلحون للموقع، وأُلقي القبض على خمسة رجال في منطقة ويلفورد. وجرى توقيفهم أولاً للاشتباه بارتكاب مخالفات بموجب قانون المتفجرات، ثم وُجّه إليهم اشتباه إضافي يتعلق بالتحضير لعمل إرهابي. كما فُرض طوق أمني لمسافة 400 متر، وأُخلي نحو 85 منزلاً احترازياً، بينما باشرت وحدات مختصة من الجيش فحص المركبات. وأكدت السلطات أن التحقيق كان لا يزال في مراحله الأولى وأنها طلبت من الجمهور عدم التكهن بالملابسات.
وهنا يجب أن نكون دقيقين: السلطات البريطانية لم تعلن بعد المسؤول عن الحادث أو دوافعه النهائية، ولذلك لا يصح تحويل الاشتباه والتحقيق إلى حقيقة مكتملة قبل انتهاء التحقيقات، لكن خطورة المكان نفسه تجعل الحادث جديراً بالاهتمام.
فـRAF Fairford ليست مجرد منشأة عسكرية عادية؛ فهي قاعدة تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني وتُستخدم من جانب الولايات المتحدة، كما ارتبطت في السنوات الأخيرة بعمليات عسكرية أمريكية. ولهذا فإن أي تهديد أمني حولها يحمل أبعاداً تتجاوز حدود المنطقة المحلية.
من بغداد وأربيل إلى لندن
المفارقة التي تستحق التأمل هي أن العراق وكوردستان يشهدان في الوقت نفسه نقاشاً حاداً حول تداعيات الانسحاب الأمريكي فبحسب تقارير حديثة، من المقرر أن يكتمل انسحاب القوات الأمريكية المتبقية من العراق بحلول 30 أيلول/سبتمبر 2026، في وقت ما تزال فيه تساؤلات قائمة حول قدرة العراق على سد الفراغ الأمني، وحول مستقبل التهديدات التي تواجه إقليم كوردستان.
وفي هذا السياق، حذّر رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، من أن الانسحاب الأمريكي، إذا تم من دون توفير منظومات دفاعية مناسبة، قد يجعل الإقليم أكثر عرضة للمخاطر. كما شدد مكتبه في 27 أيلول على أن تصريحاته لصحيفة (فايننشال تايمز) تناولت تحديداً تداعيات انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي ومخاطر ترك إقليم كوردستان من دون غطاء دفاعي.
وهذا يعيدنا إلى تحذير الرئيس مسعود بارزاني قبل خمسة عشر عاماً، الرسالة ليست أن التاريخ يكرر نفسه حرفياً، بل أن مشكلة الفراغ الأمني تعود كل مرة في صورة جديدة.
إن التصريح الأخير للرئيس مسعود بارزاني، بوصفه مرجعاً سياسياً ووطنياً بارزاً لشعب كوردستان، لم يكن مجرد تصريح عابر، بل جاء بمثابة ناقوس خطر دُقّ بصورة مباشرة وواضحة.
لدينا تجارب عديدة ومريرة أثبتت أن مثل هذه التصريحات لا تصدر من فراغ، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد مواقف سياسية عابرة؛ بل تأتي في سياق قراءة دقيقة للتطورات والاستعداد لمواجهة تحديات جديدة قد تكون أكبر وأكثر تعقيداً، على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
إن المنطقة تقف أمام مرحلة حساسة، وربما أمام مخاطر حقيقية تتطلب أعلى درجات اليقظة والاستعداد، لأن تجاهل التحذيرات اليوم قد يجعل ثمن الاستجابة غداً أكثر كلفة.
ناقوس خطر من العراق… ودخان في لندن
العراق ليس بريطانيا، وكوردستان ليست لندن، والظروف السياسية والعسكرية مختلفة جذرياً بين الحالات الثلاث. لكن الأمن في عالم اليوم لم يعد قضية محلية خالصة.
ما يحدث في العراق قد ينعكس على المنطقة.
وما يحدث في المنطقة قد يصل أثره إلى أوروبا.
وما يحدث قرب قاعدة عسكرية بريطانية قد يرتبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتوترات دولية تمتد آلاف الكيلومترات. وهنا تكمن أهمية قراءة الأحداث ليس باعتبارها أخباراً منفصلة، وإنما باعتبارها أجزاء من مشهد أمني وسياسي متشابك.
في العراق، كان السؤال عام 2011: ماذا سيحدث بعد الانسحاب الأمريكي؟
واليوم، في كوردستان، يعود السؤال نفسه بصيغة مختلفة: هل يمكن أن يكون الانسحاب العسكري آمناً من دون ترتيبات دفاعية وأمنية كافية؟
وفي بريطانيا، بعد حادث RAF Fairford، يبرز سؤال آخر: هل يمكن للصراعات التي تدور في الشرق الأوسط أن تبقى محصورة داخل حدوده؟
هذه ليست أسئلة نظرية
ففي العراق، أدت التحولات الأمنية الكبرى في العقد الماضي إلى نتائج تجاوزت حدود الدولة، وفي بريطانيا، أعلنت السلطات نفسها أن حادث Fairford يستدعي تحقيقاً من شرطة مكافحة الإرهاب، بينما بقيت ملابسات الحادث ودوافعه قيد التحقيق.
التاريخ لا يحذر مرتين بالطريقة نفسها من العراق، دُق ناقوس الخطر قبل سنوات بشأن تداعيات الانسحاب والفراغ الأمني، واليوم، بينما يستعد العراق لمرحلة جديدة مع اكتمال الانسحاب الأمريكي، تتكرر التحذيرات من تداعيات ترك كوردستان والعراق أمام تهديدات أمنية من دون منظومات دفاعية كافية.
وفي لندن، جاء حادث RAF Fairford ليذكر بأن الأمن لم يعد جغرافيا مغلقة؛ فالصراع الذي يبدأ في الشرق الأوسط يمكن أن تكون له ارتدادات أمنية في قلب أوروبا، ولهذا فإن العنوان ليس مجرد استعارة (ناقوس خطر من العراق… ودخان في لندن) فناقوس الخطر هو التحذير الذي يجب أن يُسمع قبل وقوع الكارثة، لا بعدها.
أما الدخان، فلا يعني بالضرورة أن الصورة اكتملت أو أن الجهة المسؤولة أصبحت معروفة؛ لكنه يعني أن هناك حادثاً خطيراً وقع، وأن السلطات البريطانية نفسها تتعامل معه بوصفه قضية أمنية وإرهابية محتملة ما زالت قيد التحقيق. والدرس الأهم ربما لا يتعلق بالولايات المتحدة وحدها، ولا ببريطانيا وحدها، ولا بالعراق وحده، الدرس هو أن الفراغ الأمني لا يبقى دائماً داخل المكان الذي نشأ فيه؛ وقد تتحول شرارته، في عالم مترابط، إلى دخان يُرى بعيداً جداً عن مصدره.
