• Saturday, 26 September 2026
logo

الذكاء الاصطناعي والاقتصاد.. من أداة تقنية إلى محرك جديد للنمو

الذكاء الاصطناعي والاقتصاد.. من أداة تقنية إلى محرك جديد للنمو

مصطفى سعد بشير

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية ترتبط بالمختبرات وشركات البرمجيات بل أصبح واحداً من أبرز المتغيرات التي يمكن أن تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة. فالتطور المتسارع في قدرته على معالجة البيانات وتحليل المعلومات والتنبؤ بالاتجاهات وتنفيذ المهام المعرفية جعل منه أداة تدخل تدريجياً في الصناعة والتجارة والخدمات والقطاع المالي والإدارة الحكومية بل وفي عملية صنع القرار الاقتصادي نفسها. وينظر اقتصاديون إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره تقنية ذات استخدام عام يمكن أن يمتد تأثيرها إلى قطاعات عديدة على غرار التحولات التي أحدثتها الكهرباء والحاسوب والإنترنت في مراحل سابقة. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الذكاء الاصطناعي يمتلك إمكانات مهمة لرفع الإنتاجية وتسريع الابتكار لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن حجم الأثر الاقتصادي الفعلي سيعتمد على سرعة انتشار التقنية وقدرة المؤسسات والعاملين على استخدامها والسياسات التي تنظمها.

الإنتاجية في قلب التحول

تتمثل إحدى أهم الفوائد الاقتصادية للذكاء الاصطناعي في قدرته على اختصار الوقت اللازم لإنجاز عدد كبير من الأعمال. فالموظف الذي يحتاج ساعات لتحليل مجموعة كبيرة من البيانات أو إعداد مسودة تقرير أو تصنيف مئات الوثائق يمكنه استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي لإنجاز جزء كبير من هذه المهام خلال مدة أقصر ثم توجيه وقته نحو المراجعة والتحليل واتخاذ القرار. ولا تعني زيادة الإنتاجية بالضرورة الاستغناء عن الإنسان بل قد تعني تغيير طريقة عمله. فقد أظهرت بيانات أوردتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن أربعة من كل خمسة عاملين شملتهم استطلاعاتها أفادوا بأن استخدام الذكاء الاصطناعي أدى إلى تحسين أدائهم في العمل. وفي المقابل برزت مخاوف تتعلق بكثافة العمل والخصوصية وعدم المساواة وهو ما يوضح أن الاستفادة الاقتصادية من التكنولوجيا لا تنفصل عن طريقة إدارتها وتنظيمها. ويمتد ذلك إلى الشركات إذ يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالطلب وإدارة المخزون وتحليل المبيعات وتحسين الخدمات ومراقبة سلاسل التوريد وتقليل الهدر. وهذه الإمكانات لم تعد حكراً على الشركات الكبرى إذ أتاحت التطبيقات الحديثة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة الوصول إلى أدوات كانت تتطلب سابقاً أنظمة مكلفة وفرقاً متخصصة.

هل يهدد الذكاء الاصطناعي الوظائف؟

ربما يكون تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل أكثر جوانبه إثارة للنقاش. وتقدّر دراسة لصندوق النقد الدولي أن نحو 40% من الوظائف عالمياً معرضة بدرجات مختلفة لتأثير الذكاء الاصطناعي وترتفع النسبة إلى نحو 60% في الاقتصادات المتقدمة. لكن التعرض للتقنية لا يعني بالضرورة فقدان الوظيفة ففي عدد من المهن يمكن أن يعمل الذكاء الاصطناعي إلى جانب الإنسان ويرفع إنتاجيته بينما قد تتأثر وظائف أخرى نتيجة قدرة الأنظمة على تنفيذ جزء من مهامها. وتعزز منظمة العمل الدولية هذا الاتجاه في دراستها الصادرة عام 2025 والتي وجدت أن نحو واحد من كل أربعة عاملين في العالم يعمل في مهنة معرضة بدرجة ما للذكاء الاصطناعي التوليدي. إلا أن المنظمة ترى أن السيناريو الأكثر احتمالاً هو تحول الوظائف وليس اختفاءها بصورة واسعة لأن كثيراً من المهن تتكون من مجموعة من المهام التي يمكن أتمتة بعضها فيما يبقى بعضها الآخر بحاجة إلى الخبرة والحكم البشري والتفاعل الاجتماعي. وهنا ينتقل التحدي من سؤال: «هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا؟» إلى سؤال أكثر أهمية: هل ستكون القوى العاملة قادرة على اكتساب المهارات التي يحتاجها الاقتصاد الجديد؟

أداة جديدة لصنع القرار الاقتصادي

لا تقتصر قيمة الذكاء الاصطناعي على الإنتاج والأعمال التجارية بل تمتد إلى العمل الاقتصادي الحكومي. فالمؤسسات العامة تتعامل مع كميات متزايدة من البيانات المتعلقة بالتجارة والأسعار والإنتاج والعمل والاستثمار والضرائب والأسواق ويمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي المساعدة في تحويل هذه البيانات إلى مؤشرات أكثر فائدة لصناع القرار. فعلى سبيل المثال يمكن استخدامها لرصد تحركات الأسعار وتحليل اتجاهات الاستيراد والتصدير ودراسة القطاعات الاقتصادية واكتشاف الأنماط غير المعتادة في الأسواق وبناء سيناريوهات تساعد على تقدير آثار بعض السياسات قبل تطبيقها. وفي مجال المنافسة الاقتصادية تحديداً تستطيع الأدوات التحليلية المساعدة في دراسة هياكل الأسواق ومعالجة بيانات الشركات والأسعار والحصص السوقية ورصد درجات التركّز والتغيرات التي تشهدها القطاعات. لكنها تبقى أدوات مساعدة لأن تفسير النتائج وتحديد آثارها الاقتصادية والقانونية يتطلبان خبرة بشرية وبيانات موثوقة ولا يمكن إحلال الخوارزمية محل القرار المؤسسي المسؤول.

فرصة كبيرة.. لكنها ليست متساوية

يقدر تقرير التكنولوجيا والابتكار 2025 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) أن تصل قيمة سوق الذكاء الاصطناعي عالمياً إلى نحو 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033. إلا أن التقرير يحذر في الوقت ذاته من وجود تركّز كبير في تطوير التقنية والبنية التحتية المرتبطة بها ومن احتمال اتساع الفجوة بين الدول التي تمتلك القدرات الرقمية والمهارات والاستثمارات وبين الدول التي لا تزال في مراحل مبكرة من التحول الرقمي. ويؤكد البنك الدولي في تقريره عن التقدم والاتجاهات الرقمية لعام 2025 أن الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تمتلك فرصاً مهمة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي لكنها تواجه تحديات أكبر في البنية التحتية والقدرات والمهارات. وفي المقابل يشير التقرير إلى انتشار تطبيقات أقل تكلفة وأكثر سهولة يمكن تشغيلها باستخدام الأجهزة المتاحة بما يفتح أمام الدول النامية مجالاً للاستفادة من التكنولوجيا دون الحاجة دائماً إلى بناء أنظمة ضخمة خاصة بها.

أين يقف العراق؟

بالنسبة للعراق، قد لا تكون الأولوية الاقتصادية في سباق تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عملاقة بقدر ما تكمن في كيفية استخدام الأدوات المتاحة لتحسين الاقتصاد والإدارة العامة. فالعراق يمتلك كميات كبيرة من البيانات الاقتصادية والإدارية في مؤسسات مختلفة، إلا أن التحدي الأساسي يتمثل في تنظيمها وربطها وتحويلها إلى معلومات قابلة للتحليل. ومن هنا يمكن أن يكون الاستثمار في قواعد البيانات والتحول الرقمي وتدريب الموظفين والباحثين خطوة أكثر أهمية من مجرد اقتناء تطبيقات حديثة. ويمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي مستقبلاً في تحليل القطاعات الاقتصادية ومتابعة الأسعار والأسواق ودراسة التجارة الخارجية وتحسين الخدمات الحكومية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وإعداد الدراسات والتوقعات الاقتصادية. إلا أن نجاح ذلك يرتبط بثلاثة عناصر مترابطة: البيانات والمهارات والبنية التحتية الرقمية. فالذكاء الاصطناعي مهما بلغت قدرته لن يقدم نتائج اقتصادية موثوقة إذا كانت البيانات التي يعتمد عليها ناقصة أو غير دقيقة أو غير محدثة.

الإنسان سيبقى في مركز المعادلة

الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً للاقتصادي أو الباحث أو الموظف أو صاحب القرار بل يمثل أداة يمكن أن تضاعف قدرتهم على الوصول إلى المعلومات وتحليلها والاستفادة منها. والخطر الحقيقي قد لا يكون في دخول الذكاء الاصطناعي إلى الاقتصاد وإنما في اتساع الفجوة بين المؤسسات والدول التي تتعلم كيفية استخدامه وتلك التي تتأخر في ذلك. ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الانبهار بالتكنولوجيا إلى بناء سياسة واضحة للاستفادة منها تبدأ بتنظيم البيانات وتطوير المهارات وتمر بتوفير البنية الرقمية ولا تنتهي عند وضع قواعد تحمي الخصوصية وتضمن الاستخدام المسؤول. فالتحول الاقتصادي الذي يقوده الذكاء الاصطناعي لن يتحدد بما تستطيع الآلة القيام به وحدها، بل بما يستطيع الإنسان والمؤسسة والدولة فعله بهذه القدرات الجديدة.

* ماجستير هندسة برمجيات (ذكاء صناعي)

المصادر المعتمدة

1.    منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، The Impact of Artificial Intelligence on Productivity, Distribution and Growth: Key Mechanisms, Initial Evidence and Policy Challenges، OECD Artificial Intelligence Papers، نيسان 2024.

2.    صندوق النقد الدولي (IMF)، Cazzaniga et al., Gen-AI: Artificial Intelligence and the Future of Work، Staff Discussion Note SDN/2024/001، كانون الثاني 2024.

3.    منظمة العمل الدولية (ILO)، Generative AI and Jobs: A Refined Global Index of Occupational Exposure، Working Paper No. 140، أيار 2025.

4.    مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، Technology and Innovation Report 2025: Inclusive Artificial Intelligence for Development، 2025.

 

5.    البنك الدولي (World Bank)، Digital Progress and Trends Report 2025: Strengthening AI Foundations، 2025.

 

 

 

 

Top