• Wednesday, 23 September 2026
logo

أمانج زيبايي، السياسي والباحث المتخصص في العلوم السياسية:حروب المستقبل ستتجاوز النطاق العسكري، لتتحول إلى استراتيجية تدمير شاملة للمقومات المالية

أمانج زيبايي، السياسي والباحث المتخصص في العلوم السياسية:حروب المستقبل ستتجاوز النطاق العسكري، لتتحول إلى استراتيجية تدمير شاملة للمقومات المالية

يُعدّ أمانج زيبايي أحد الوجوه السياسية البارزة في كوردستان، وهو في الوقت ذاته أكاديمي متخصص وخبير متمكن في حقل العلوم السياسية. وخلال مشاركته في الحلقة النقاشية المعنونة بـ (أثر الاقتصاد والسوق المشتركة في بناء الأمة)، استعرض رؤاه وتطلعاته التحليلية على النحو الآتي:

إنه لمن دواعي فخري واعتزازي أن أشارك هذه النخبة من الأفاضل في مناقشة قضية قومية جوهرية تمس الأجزاء الأربعة لكوردستان، وهي "تأثير الاقتصاد والسوق المشتركة في بناء الأمة". وانطلاقاً من تخصصي في العلوم السياسية، سأتناول هذا الملف الحيوي من منظور سياسي تحليلي يربط بين الاستقرار الاقتصادي والسيادة الوطنية.

تمر منطقة الشرق الأوسط اليوم بمرحلة مفصلية غاية في الحساسية، تتسم بتوترات عسكرية واقتصادية بالغة التعقيد. هذا الصراع المحتدم لم يعد حبيس الميادين العسكرية التقليدية فحسب، بل اتخذ أبعاداً تجارية واستراتيجية أكثر خطورة وتأثيراً. إن فرض العقوبات الأمريكية الصارمة والقيود الاقتصادية المحكمة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية يلقي بظلاله المباشرة وغير المباشرة على عموم المنطقة، وبشكل خاص على الديناميكيات الاقتصادية في إقليم كوردستان. لذا، يتحتم علينا قراءة هذه المعادلات الجيوسياسية بدقة متناهية، وصياغة استراتيجية وطنية رصينة لمواجهة الدلائل والنتائج المترتبة على هذا المشهد المتغير.

لقد عمدت الجمهورية الإسلامية، طوال العقود الماضية، إلى تكريس سياسة عسكرة المناطق الكردية (شرق كوردستان) بدلاً من توجهها نحو تشييد بنية تحتية اقتصادية متينة أو خلق بيئة استثمارية جاذبة. إن غياب المصانع، وتعطيل المشاريع الصناعية الكبرى، وانعدام فرص العمل اللائقة، أدى بشكل مباشر إلى بزوغ ظاهرة "العتالة" (الکولبري) المأساوية على الحدود. إن هذه الظاهرة ليست سوى نتيجة حتمية لتنصل الدولة من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه مواطنيها، حيث يضطر الإنسان، مدفوعاً بمرارة الحاجة، للمخاطرة بحياته تحت وطأة النيران وصعوبة التضاريس لتأمين بژێوی العيش. هذا الواقع المرير يبرهن لنا أن الجوار الاقتصادي مع كيانات تفتقر لخطط التنمية المستدامة لا يمكنه تحقيق توازن استراتيجي يخدم المصالح القومية على المدى البعيد.

من جهة أخرى، لطالما استُخدم الموقع الجيوسياسي لإقليم كوردستان كأداة للضغط السياسي من قبل القوى الإقليمية. وحين نرى استهدافاً ممنهجاً لرموز القطاع الخاص وكبار المستثمرين، مثل استهداف "بيشرو دزيي" ومشاريعه العمرانية الوطنية، ندرك تماماً أن خصوم النهضة الكوردستانية يعون جيداً حجم القوة الكامنة في الاستقلال الاقتصادي. إنهم يسعون بكل دأب لعرقلة أي تقدم مالي قد يؤدي إلى تعزيز مكانة الكورد كلاعب فاعل في المنطقة. إن استهداف البنية التحتية والرموز التجارية هو دليل قاطع على أن حروب المستقبل هي حروب لكسر الإرادة السياسية عبر تدمير العصب المالي والتجاري.

وهنا يبرز تساؤل جوهري أمام حكومة إقليم كوردستان: إلى أي مدى نجحنا في تنويع مصادر الدخل والتحرر من الارتهان المطلق لعائدات النفط؟ إن معظم دول العالم المتقدمة، إلى جانب قدراتها الإنتاجية، تمتلك "علامات تجارية" وطنية (Brands) تكرس هويتها في الوجدان العالمي، فسويسرا تُعرف بدقة ساعاتها، وفرنسا بريادتها في صناعة السيارات، وكوبا بجودة تبغها، وحتى إيران بسجادها وزعفرانها.

كوردستان تمتلك أرضاً بكرًا ومنتجات زراعية استثنائية كالتين والجوز والرمان، وهي ثروات قادرة على التحول إلى علامات تجارية عالمية (Kurdish Brands). ورغم وجود محاولات لتصدير هذه المنتجات، إلا أنها افتقرت للاستدامة والتنظيم الاستراتيجي. ولتحويل هذه الموارد إلى هوية دولية، يجب على الحكومة تبني خطة شاملة تتضمن حملات إعلامية في كبريات القنوات العالمية، وتفعيل دور الممثليات الدبلوماسية للترويج للمنتج الوطني، وإدراج هذه السلع الفاخرة كأداة في البروتوكولات الرسمية وهدايا الوفود الدولية.

في الختام، رغم وطأة التحديات الجيوسياسية وتداعيات العقوبات الإقليمية، يبقى الاقتصاد القوي هو الدرع الحصين لحماية المكتسبات القومية. إن التحول من الاقتصاد الريعي إلى بناء صناعة وطنية وتدشين علامات تجارية سيادية، سيمنح كوردستان مكانة دولية راسخة ويضمن مستقبلاً مزدهراً لأجيالنا القادمة في أجزاء الوطن كافة.

Top