• Tuesday, 22 September 2026
logo

زاگروس فتاح، عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني:يُشكل الاقتصاد والسوق المشتركة ركيزةً صلبة للوحدة القومية

زاگروس فتاح، عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني:يُشكل الاقتصاد والسوق المشتركة ركيزةً صلبة للوحدة القومية

يُعدُّ السيد زاگرۆس فتاح، عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني ومسؤول القسم المالي والإداري في المكتب السياسي، أحد المتحدثين البارزين في الندوة الحوارية التي حملت عنوان: (أثر الاقتصاد والسوق المشتركة في بناء الأمة). وقد استعرض خلال مشاركته جملةً من رؤاه وتصوراته ومقترحاته الاستراتيجية على النحو الآتي:

أثمن عالياً مبادرة حلقة النقاش في قسم الثقافة والإعلام للحزب الديمقراطي الكوردستاني، لتوفيرها هذه المنصة الفكرية الحرة التي تجمع الرؤى المتباينة دورياً لمناقشة القضايا القومية والوطنية المصيرية. نركز في هذه الحلقة الرابعة والأربعين على موضوع تأثير الاقتصاد والسوق المشتركة في بناء الأمة. ومن هنا، أقترح صياغة مخرجات هذا الحوار في ورقة سياسات رصينة ومكثفة، تُبنى على أسس اقتصاد السوق المشتركة، لترفع إلى مؤسسات حكومة إقليم كوردستان كدليل عملي.

إنني على ثقة تامة بأن التوصيات ستكون بالغة الأهمية وواقعية، نظراً للمستوى المعرفي الرفيع والخبرات الثرية للمشاركين. لذا، فإن تقديم ملخص بصيغة توصيات إجرائية سريعة وفعالة هو السبيل الأمثل لتمكين الحكومة من استثمار هذه الرؤى العلمية والبراغماتية في رسم وتنفيذ سياساتها الاقتصادية، وهذا يمثل جوهر مقترحي لهذه الندوة العلمية الموقرة.

إن بناء الأمة وصون الهوية الجماعية ليس مجرد مشروع سياسي أو قانوني دستوري، بل هو مسار يعتمد بنيوياً على قاعدة مادية واقتصادية راسخة. فالعلاقات التجارية العابرة للحدود وتأسيس سوق مشتركة، من خلال خلق شبكة مصالح يومية حيوية، يعملان كمحرك استراتيجي لتعزيز الوحدة القومية والتماسك الاجتماعي.

في هذا النقاش، وبناءً على التساؤلات المطروحة، نتناول أبعاد الاقتصاد والسوق المشتركة على مستويين متكاملين: الأول يمتد ليشمل الأبعاد القومية الشاملة، والثاني يركز على المستوى الداخلي لإقليم كوردستان العراق باعتباره كياناً دستورياً قائماً. والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل يمتلك النظام الاقتصادي والسوق المشتركة القدرة على أداء دور بنيوي وحاسم في عملية إعادة إعمار وبناء الأمة؟ سأجتهد في الإجابة عن هذا التساؤل الجوهري عبر محاور تحليلية دقيقة تلامس الواقع والطموح، آملاً أن تحقق هذه المداخلة أهدافها المنشودة في خدمة الصالح العام وتطلعات شعبنا الأبي الساعي نحو التنمية والازدهار، فالعمل الاقتصادي هو حجر الزاوية لاستقرار المجتمعات ونهضتها الشاملة والسيادة الوطنية.

1- التكامل الاقتصادي بوصفه محركاً للهوية الوطنية في ظل غياب الدولة

يمكن التأكيدُ بيقينٍ مطلقٍ لا يخالجه أدنى شكٍّ أنَّ التكامُلَ الاقتصاديَّ قد شكَّل، عبرَ معظمِ الحقبِ والمحطاتِ التاريخيةِ الكبرى، ركيزةً جوهريةً أساسيَّةً ومُقدِّمةً بنيويةً حتميَّةً للوحدةِ السياسيةِ والاندماجِ القوميِّ الرسميِّ بين مختلفِ الشعوبِ والأمم. فالوشائجُ التجاريةُ الوثيقةُ والمصالحُ الماليةُ المتبادلةُ والعميقةُ تعملُ جاهدةً على خلقِ بيئةٍ خصبةٍ تتوارى فيها سائرُ العقباتِ السياسيةِ التقليديةِ أمامَ سطوةِ المصالحِ المشتركةِ والمنافعِ المتبادلة، مِمَّا يُساهمُ في تعبيدِ الطريقِ لنشوءِ كياناتٍ سياسيَّةٍ موحدةٍ وقادرةٍ على الاستدامة.

إنَّ تاريخَ تطورِ الدولِ ونشوءِ الأممِ الحديثةِ يزخرُ بالنماذجِ الحيةِ التي برهنت فيها الروابطُ الاقتصاديةُ على قُدرتِها الفائقةِ في استباقِ لحظةِ اليقظةِ السياسيةِ والوحدوية. ففي التجربةِ الألمانية، وقبلَ إعلانِ قيامِ الدولةِ الاتحاديةِ الرسميةِ بزعامةِ المستشارِ «أوتو فون بسمارك» في عامِ 1871، كانَ لاتحادِ «الزولفيرين» (Zollverein) الجمركيِّ المؤسَّسِ في عامِ 1834 دورٌ محوريٌّ حاسمٌ في صهرِ العديدِ منَ الممالكِ والولاياتِ الألمانيةِ المشتتة. هذا الاتفاقُ الجمركيُّ والتجاريُّ نجحَ فعلياً في تقويضِ كافةِ الحواجزِ الماليةِ والضريبية، واستطاعَ قبلَ عقودٍ منَ الإعلانِ الرسميِّ للدولة، تعميقَ الوعيِ القوميِّ وتوحيدَ بوصلةِ المصالحِ اليوميةِ بينَ المواطنين، ليغدوَ هذا الكيانُ الاقتصاديُّ هو القاعدةَ الصلبةَ التي قامتْ عليها صروحُ الوحدةِ القومية.

وعلى ذاتِ المنوالِ التاريخي، تبرزُ التجربةُ السويسريةُ كنموذجٍ إنسانيٍّ فريدٍ ومثيرٍ للإعجاب، فقبلَ إقرارِ الدستورِ الفيدراليِّ لعامِ 1848، كانتِ الكانتوناتُ السويسريةُ قد أرسَت بالفعلِ دعائمَ تنسيقٍ اقتصاديٍّ وتعاونٍ تجاريٍّ وثيقٍ فيما بينها. هذا التوجهُ نحو التكاملِ الاقتصاديِّ حدثَ في زمنٍ لم تكنْ فيهِ الكانتوناتُ منقسمةً سياسياً فحسب، بل كانتْ متباينةً لغوياً وثقافياً بشكلٍ حاد، إذ كانتْ تتوزعُ ولاءاتُها اللسانيةُ بينَ أربعِ لغاتٍ عالميةٍ مختلفة. ومعَ ذلك، انتصرَ المنطقُ التجاريُّ ومنفعةُ السوقِ على هواجسِ الاختلاف، مِمَّا أفضى بالضرورةِ إلى تشييدِ صرحِ النظامِ الفيدراليِّ السويسريِّ المتينِ والناجحِ الذي نراهُ قائماً حتى يومنا هذا.

وفي العصرِ الحديثِ والراهن، لا يزالُ التاريخُ يُقدمُ أدلةً دامغةً على نجاعةِ هذا النهج. ويشيرُ خبراءُ الاقتصادِ والسياسةِ بوضوحٍ إلى عبقريةِ تجربةِ الاتحادِ الأوروبي، التي انبثقت نواتُها الأولى عام 1951 عبرَ اتفاقيةِ «الفحمِ والصلب» بينَ دولٍ كانتْ بالأمسِ القريبِ ألدَّ الأعداءِ في ساحاتِ الوغى، لتتحولَ تلكَ الروابطُ تدريجياً إلى أضخمِ وأقوى سوقٍ مشتركةٍ على مستوى العالم. وبالمثل، تأتي تجربةُ مجلسِ التعاونِ لدولِ الخليجِ العربيةِ في قلبِ الشرقِ الأوسطِ كمحاولةٍ جادةٍ لتوحيدِ السياساتِ الجمركيةِ والأنظمةِ النقديةِ بُغيةَ تمتينِ أواصرِ التقاربِ السياسي. كلُّ هذهِ الشواهدِ تؤكدُ حقيقةً راسخةً هي أنَّ إيجادَ فضاءٍ اقتصاديٍّ موحدٍ كفيلٌ بتقريبِ الأممِ وتعزيزِ روحِ التضامنِ القوميِّ المشترك.

وعندَ استحضارِ هذهِ المعادلةِ العلميةِ وإسقاطِها على واقعِ إقليمِ كوردستانِ وبقيةِ الأجزاءِ في وطننا، ندركُ تماماً أنَّ السوقَ الاقتصاديةَ تحتاجُ دوماً إلى مظلةٍ قانونيةٍ أو كيانٍ مؤسساتيٍّ ليؤديَ وظائفَهُ الحيويةَ بانتظام. فالتبادلاتُ التجاريةُ والأنظمةُ البنكيةُ والمعاييرُ القياسيةُ للسلعِ تخلقُ حركيةً مستمرةً وتواصلاً عابراً للحدودِ المصطنعة، مِمَّا يؤدي في المحصلةِ إلى صهرِ الهويةِ القوميةِ في بوتقةٍ واحدةٍ تنطلقُ منَ المصالحِ الحياتيةِ الأساسيةِ للإنسان.

غيرَ أنَّ تفعيلَ هذهِ الرؤيةِ في جغرافيا كوردستانَ الكبرى يصطدمُ اليومَ بجملةٍ منَ التعقيداتِ البنيويةِ الصعبة. فالعائقُ الأكبرُ يتمثلُ في كوننا موزعينَ قسرياً بينَ أربعةِ أنظمةٍ نقديةٍ متباينةِ القيمِ والسياساتِ الماليةِ (الدينار العراقي، الريال الإيراني، الليرة التركية، والليرة السورية)، فضلاً عنِ التباينِ الشاسعِ في القوانينِ الجمركيةِ والضريبية. والأخطرُ من ذلكَ هو تذبذبُ العلاقاتِ السياسيةِ وتوترُها الدائمُ بينَ العواصمِ التي تتقاسمُ خريطةَ كوردستان، مِمَّا يضعُ قيوداً ثقيلةً على تدفقِ رؤوسِ الأموالِ ويعوقُ نشوءَ سوقٍ قوميةٍ رسميةٍ متكاملةٍ في المنظورِ القريب.

وللخروجِ من هذا المأزقِ التاريخي، ومعَ استمرارِ غيابِ الأطرِ الرسمية، يتحتمُ علينا صياغةُ استراتيجيةٍ قوميةٍ مبتكرةٍ تهدفُ إلى بناءِ «شبكاتٍ اقتصاديةٍ واعيةٍ ومتطورة» بينَ سائرِ الأجزاء. يمكنُ تحقيقُ ذلكَ عبرَ تمكينِ القطاعِ الخاص، وتأمينِ الممراتِ التجاريةِ الحيوية، وتفعيلِ التبادلِ المهنيِّ والمعرفي. إنَّ الميزةَ الكبرى لمنطقِ السوقِ هي قدرتهُ على مواءمةِ مصالحِ الناسِ اليومية، مِمَّا يجعلهم شركاءَ حقيقيينَ في السراءِ والضراء. إنَّ هذا المشروعَ الاستراتيجيَّ يمثلُ السبيلَ الأمثلَ لتحييدِ آثارِ التقسيمِ السياسيِّ القهري، فإذا تعذرَ محوُ الحدودِ منَ الخرائطِ حالياً، فإنَّ بالإمكانِ تجريدَها من فاعليتِها عبرَ قوةِ الاقتصادِ وتلاحمِ المصالح. وهذا هو التحدي الوجوديُّ الذي يتطلبُ من كلِّ الطاقاتِ الوطنيةِ والنخبِ الأكاديميةِ العملَ عليهِ بمنتهى الجديةِ والإخلاص، ضماناً لمستقبلٍ أكثرَ إشراقاً لشعبِنا، وتثبيتاً لدعائمِ هويتِنا القوميةِ الراسخةِ التي لا تنثني مهما اشتدتْ عليها نوائبُ الدهر.

2-استراتيجية تنمية الفرص الاقتصادية في إقليم كوردستان وتوسيع آفاق التعاون مع الأجزاء الأخرى

يُعدُّ تحليل وتقييم الآفاق الاقتصادية والتجارية المتاحة لإقليم كوردستان العراق في سياق علاقاته البينية مع الأجزاء الكوردستانية الأخرى، من الركائز الاستراتيجية الجوهرية التي تستوجب صياغة رؤية حداثية تتسم بالواقعية والبراغماتية العالية. إن النظرة العلمية الفاحصة للموقع الجيوسياسي لهذه المناطق، تمنحنا القدرة الأكيدة على رسم مسارات فاعلة لتعزيز الوشائج الاقتصادية العميقة بما يصب في مصلحة الجميع ويدعم الاستقرار الإقليمي المنشود.

بالاستهلال من شمال كوردستان، نجد أن الإرهاصات الإيجابية المتعلقة بإمكانية إحياء مسار السلام قد أوجدت مناخاً ملائماً للعمل التنموي المشترك. وفي هذا المضمار، يقع على عاتق غرف تجارة أربيل والسليمانية ودهوك مسؤولية جسيمة للارتقاء بمستوى التنسيق المباشر مع نظيراتها في مدن كديار بكر، وان، وماردين، والتحلل التدريجي من قيد الارتباط الحصري بالمراكز الاقتصادية الكبرى كإسطنبول وأنقرة. يتزامن ذلك مع ضرورة استثمار الخطط التنموية التركية الموجهة لتطوير تلك المناطق، مما يستدعي ضرورة تحديث وتوسعة معبر إبراهيم الخليل الدولي، والسعي الحثيث لفتح قنوات عبور حدودية إضافية تعزز الانسيابية التجارية وتسهل حركة رؤوس الأموال.

أما فيما يخص شرق كوردستان، فبالرغم من التحديات السياسية والأمنية المتقلبة التي شهدتها المنطقة، إلا أن الشرايين التجارية ظلت تنبض بالحيوية المستمرة، حيث يُقدر حجم التبادل السنوي بين العراق وإيران بنحو اثني عشر مليار دولار، تمر نسبة تتراوح بين أربعين إلى خمسين بالمئة منها عبر بوابات الإقليم الحدودية (باشماخ، برويزخان، وحاج عمران). إن هذا الزخم التجاري الضخم يمنحنا فرصة استراتيجية ذهبية لتوثيق الروابط مع المحافظات الشرقية، ويعد الاجتماع التنسيقي الذي عُقد مؤخراً مع كبار مسؤولي كرمانشاه بشأن الاستراتيجيات الزراعية المتكاملة نموذجاً حياً وناجحاً يستحق التعميم والتطوير المستمر لمضاعفة الإنتاج.

وفيما يتعلق بغرب كوردستان، يبدو المشهد أكثر تعقيداً جراء هيمنة الأنظمة المركزية الصارمة، إلا أن آفاق التطوير والتعاون لا تزال قائمة وواعدة عبر بوابة "فيشخابور" الاستراتيجية. ويتطلب هذا المسار تفعيل قنوات التواصل في قطاعات الأعمال والتجارة البينية، فضلاً عن تعزيز التبادل في الجوانب الأكاديمية والمعرفية، بهدف الوصول إلى تفاهمات مهنية مشتركة تخدم المصالح الحيوية للسكان.

وخلاصة القول، إن نجاح هذه الاستراتيجية الطموحة مرهون كلياً بتبني أجندة اقتصادية مهنية محضة، منزهة تماماً عن أي اعتبارات سياسية أو أيديولوجية ضيقة. إن هذا التوجه العقلاني كفيل بطمأنة العواصم الإقليمية الفاعلة ومنعها من محاولات تقويض هذه المسارات التنموية، مما يسمح بالعمل في بيئة مستقرة تضمن حماية المصالح المشتركة وفق منظور تجاري وواقعي رصين، يسهم في تحقيق الرفاهية والنمو المستدام لكافة المناطق، بعيداً عن التوترات والتدخلات الخارجية التي قد تستهدف عرقلة مشروع النهضة الشاملة وتعطيل عجلة التقدم الاجتماعي الذي تنشده الشعوب في هذه البقاع الجغرافية الهامة، بما يضمن مستقبلاً أفضل للأجيال القادمة التي تتطلع للعيش في ظل اقتصاد قوي ومتكامل يتجاوز كافة الحدود والعقبات المصطنعة.

3- المعوقات الجوهرية الماثلة أمام تشكيل سوق اقتصادية موحدة في إقليم كوردستان

يُعدُّ تأسيس سوقٍ مشتركة وموحدة في إقليم كوردستان أحد الركائز البنيوية لتحقيق النهضة الاقتصادية والاستقرار الوطني الشامل. ومع ذلك، واجهت هذه الغاية على مدار العقود الماضية جملة من التحديات السياسية والإدارية والقانونية العميقة التي حالت دون تجسيدها على أرض الواقع. إن تفكيك هذه الأبعاد وصياغة معالجات جذرية لها يمثلان المنطلق الأساسي لتجاوز الأزمات الداخلية الراهنة.

1- العقبات السياسية: من المنظور السياسي، تكمن المعضلة الكبرى في مركزية القرار داخل الإقليم، حيث يفتقر النظام السياسي إلى التناغم في تنفيذ قرارات الحكومة الاتحادية للإقليم من قبل المحافظات. ففي الكابينات السابقة، وصولاً إلى الكابينة التاسعة الحالية، نُفذت القرارات السيادية بأساليب متباينة، مما يعكس غياب استراتيجية وطنية موحدة. يأتي هذا في وقتٍ أكد فيه السيد مسرور بارزاني، رئيس حكومة إقليم كوردستان، منذ انطلاق ولايته: «إذا كان لدينا رغيف خبز واحد، فلنتقاسمه معاً»، وهو ما يجسد بوضوح الأجندة الوطنية للحزب الديمقراطي الكوردستاني في بناء الدولة. إلا أن الواقع يشير إلى خلاف ذلك، فثمة هيمنة وقورخكارية (احتراق قطاعي) حزبية واضحة على المنافذ الحدودية والجمارك في محافظتي السليمانية وحلبجة. إن هذا النمط من السيطرة، الذي يرجح المصالح الحزبية الضيقة على المصلحة العامة، قد قوض وحدة المسار الحكومي وعرقل مساعي تنظيم الموارد المالية بشكل عادل.

2- العقبات الإدارية: إدارياً، تبرز معضلة تشتت الإيرادات وعدم إخضاعها لسيطرة مركزية كأكبر عائق بنيوي. ففي التاريخ الإداري للإقليم، لم تكن عملية تحصيل الإيرادات، ولا سيما في النقاط الحدودية، خاضعة لآلية وطنية موحدة. وكانت إحدى أولويات الكابينة التاسعة هي وضع كافة إيرادات المنافذ تحت الإشراف المباشر لوزارة المالية والاقتصاد. ولتحقيق ذلك، اقترح رئيس الحكومة تشكيل لجنة مالية لتفقد معبري (باشماخ) و(إبراهيم الخليل)، غير أن الشركاء في "الاتحاد الوطني الكوردستاني" داخل الحكومة عارضوا القرار بشدة، ملوحين بخطر اندلاع اقتتال داخلي. هذا السلوك الإداري شلّ قدرة وزارة المالية كمؤسسة وطنية على ممارسة الرقابة الفعلية. وقد تجلى هذا التخبط في توزيع موازنات المشاريع، فبينما كانت إيرادات أربيل ودهوك تودع في الخزينة العامة، مع اللجوء للاقتراض لتغطية العجز، كان الطرف الآخر يمتنع عن توريد إيراداته المحلية للخزينة، مطالباً في الوقت ذاته بتمويل مشاريعه، وفق منطق: «ما لدي فهو لي، وما لديك فهو بيننا»، مما ألحق ضرراً فادحاً بالمنظومة الإدارية.

- العقبات القانونية: قانونياً، تكمن الإشكالية في التفاوت الصارخ بتطبيق القوانين واللوائح الضريبية والاستثمارية بين المحافظات. فرغم توحد النصوص القانونية والنسب الضريبية على الورق، إلا أن آليات الجباية ومستوى التزام الشركات والمواطنين يختلف جذرياً بين أربيل والسليمانية، ويمتد هذا التباين ليشمل حتى رسوم الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء. علاوة على ذلك، يبرز غياب الرقابة القانونية المركزية على أملاك الدولة، إذ شهدت بعض المناطق تصرفاً غير قانوني بالأراضي العامة وتوزيعها خارج الأطر الرسمية، مما يعد انتهاكاً صارخاً لقوانين حماية المال العام وسيادة القانون.

 إن تجاوز هذه العقبات يتطلب إرادة سياسية حقيقية تضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الحزبية، لضمان بناء اقتصاد قوي وسوق موحدة تخدم جميع مواطني الإقليم دون تمييز.

4- التداعيات والمقارنات الدولية

إن غياب الرؤية الاستراتيجية المالية الموحدة، وتفشي انعدام المساواة المناطقية في مجالات التنمية المستدامة، وتقديم الخدمات الأساسية، وتكافؤ فرص العمل، يشكلان معاً تربة خصبة لبروز الحركات الاحتجاجية السياسية والاجتماعية (Protest Politics). إن هذه الإشكالية البنيوية لا تقتصر جغرافياً على إقليم كوردستان فحسب، بل تمتد لتشمل نماذج دولية مشابهة في سياقاتها الاقتصادية:

 * بلجيكا: حيث تبرز الصراعات والتباينات المالية الحادة بين إقليم "فلاندرز" المزدهر اقتصادياً وإقليم "والونيا" الأقل نمواً وتطوراً.

* إيطاليا: التي تعاني من فجوات اقتصادية عميقة بين الشمال المتطور صناعياً والجنوب المعتمد على الزراعة، مما ألقى بظلال سلبية على التماسك والوحدة الوطنية.

* نيجيريا: المتسمة بالنزاعات المستدامة والمستمرة حول آليات توزيع عوائد الثروة النفطية السيادية بين الولايات المكونة للنظام الفيدرالي القائم.

وإقليم كوردستان ليس استثناءً من هذه المعادلة السياسية المعقدة، إذ كلما اتسمت الأنظمة المالية والاستثمارية بالتجزئة والضعف المؤسساتي، ازدادت وتيرة التذمر الداخلي وتآكلت مكانة الإقليم القوية في مواجهة الضغوطات الخارجية الممنهجة. ولتذليل هذه العقبات والمضي قدماً في مشروع بناء الأمة وترسيخ مؤسسات الدولة الحديثة، يغدو لزاماً تبني الإجراءات الجوهرية التالية:

- رقمنة الأنظمة المؤسساتية: عبر تدشين نافذة رقمية موحدة لتسجيل الأنشطة التجارية والشركات في كافة أرجاء الإقليم وفق معايير تقنية موحدة وشفافة.

- مركزية الإيرادات والجمارك: حصر تحصيل الضرائب، والرسوم الجمركية، والجبايات في حساب بنكي سيادي واحد يتبع مباشرة لوزارة المالية، مع تحييد التدخلات الحزبية والمناطقية الضيقة.

- سيادة القانون وتكافؤ الفرص: توحيد آليات تطبيق قوانين الاستثمار والضرائب بمساواة تامة على كافة المناطق والمواطنين، مع فرض حماية صارمة ومشددة على الملكية العامة للأراضي والموارد الطبيعية.

وفي الختام، أود التأكيد على أن مخاطر التشرذم الاقتصادي تندرج ضمن القضايا الأكثر جوهرية وحساسية، فاستمرار هذا النمط من الإدارة المشتتة يقود حتماً إلى ولادة سخط جماهيري واسع في القطاع الاقتصادي والخدمي. هذا السخط يتحول تدريجياً إلى وقود للخلافات السياسية العميقة وتوسيع الفجوات الاجتماعية والإدارية. إن هذه الظاهرة ليست وليدة الصدفة، بل هي سيرورة تراكمية تتفاقم عبر الزمن حتى تفرض تداعياتها الوخيمة على استقرار الكيان.

علاوة على ذلك، وعلى الصعيد الخارجي، فإن أي إقليم يفشل في تقديم نموذج اقتصادي متكامل وإدارة داخلية منسجمة، سيجد نفسه في وضع هيكلي هش أثناء المفاوضات مع الحكومة الاتحادية في بغداد. هذا الضعف ينعكس مباشرة على الملفات المصيرية، كحصص الموازنة، وإدارة ملفات النفط والغاز، وتطبيق المواد الدستورية العالقة. إن وجود سوق داخلية ممزقة يمنح الخصوم أقوى المسوغات القانونية والسياسية لتوصيف كيان الإقليم بالضعف وعدم الأهلية.

لقد برهن التاريخ أن الانقسامات الاقتصادية والسياسية الداخلية في المسيرة الكوردية كانت دائماً المنفذ الذي استغلته القوى الإقليمية والأنظمة المركزية لتقويض حقوق الشعب الكوردي. لذا، فإن الوحدة الاقتصادية في ظل غياب الدولة المستقلة، تمثل الأداة الأكثر فاعلية لحماية الهوية القومية. إن إهدار هذه الفرصة يعني التخلي عن أقوى ترسانة للصمود الشعبي المتاحة حالياً. ويبقى الحل الأمثل والجامع متمثلاً في الرسالة التاريخية لسيادة "الرئيس بارزاني" خلال انتخابات عام 2025: "برلمان واحد، حكومة واحدة، قوة بيشمركة

Top