مغنية فلامنكو الفرنسية سيسيل ايفروت ل گولان: الفن الكوردي و الفلامنكو يحملان نفس الطاقة المتمثلة بالصمود و الحرية
حاورها: خليل بلةيي- گولان العربي
بدات سيسيل إيفرو فن الفلامنكو في الخامسة عشرة من عمرها، وكان ذلك بمثابة اكتشافٍ مُلهم. انجذبت غريزيًا إلى الغناء، الذي درسته في البداية بمفردها لعدة سنوات. ثم تدربت في إسبانيا مع المغنيين خوسيه مينديز (خيريز) وخوان خوسيه أمادور (إشبيلية)، وصقلت مهاراتها في مرافقة الرقص مع كارمن ليديسما وبيلار مونتويا «لا فاراونا».
خلال إقامتها في إشبيلية عام ٢٠١٤، كان لها لقاءٌ محوري مع المغني الأسطوري خوان بينيا «إل ليبريخانو»، الذي أصبح مرشدًا لها، ونشأت بينهما علاقةٌ وثيقة لا تزال تؤثر في أسلوبها الغنائي حتى اليوم.
عند عودتها إلى باريس، سرعان ما لاقت رواجًا كبيرًا في أوساط الفلامنكو الفرنسي، حيث انتقلت بسلاسة من الأساليب التقليدية إلى المشاريع الأكثر جرأة. وتتعاون سيسيل إيفرو بشكلٍ لافت مع الملحن دييغو فارني، المقيم في مدريد، في مشروع موسيقى الفلامنكو الإلكترونية «سيسيل وإل كينكي»، الذي صدر ألبومه «حديقة المتع» عام ٢٠١٧.
وفي عام ٢٠٢١، دعاها المخرج توني غاتليف للغناء في عرض فيلمه «توم ميدينا» ضمن فعاليات مهرجان كان السينمائي، إلى جانب الراقصة كارين غونزاليس. تُقدّم سيسيل إيفرو، مغنية الفلامنكو الموهوبة والمفعمة بالإحساس، عروضًا منتظمة في فرنسا وخارجها. كما تُدعى لتدريس غناء الفلامنكو في ورش العمل والدورات التدريبية المتقدمة، وتعمل أيضًا على تطوير مشروعها الخاص لتأليف مقطوعات موسيقية باللغة الفرنسية، مستوحاة من موسيقى الفلامنكو، حيث ترافق نفسها بالعزف على البيانو.
گوڵان اجرت معها هذا اللقاء حول بدایاتها الفنية و معلوماتها عن الفن و الفنانين الكورد.
* عرفتي فن الفلامنكو في سن الخامسة عشرة، وكان ذلك نقطة تحوّل في حياتكِ الفنية. كيف غيّر هذا الاكتشاف مسار حياتكِ، وما الذي جذبكِ في البداية إلى هذا الفن؟
وقعتُ أولاً في حب اللغة الإسبانية، التي بدأتُ بدراستها في المدرسة عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري. أردت أن أعرف المزيد قليلاً عن هذه اللغة، فبدأت أبحث على الإنترنت عن الأفلام والأغاني الإسبانية، وهناك اكتشفت أول مقطوعة فلامنكو من دون أن أعرف أي شيء عن الفلامنكو. لقد سحرتني على الفور.
لذلك بدأت بتحميل كل ما كنت أجده ويحمل عنوانه كلمة «فلامنكو»، وبدأت أجمع المعلومات عنه. كان ذلك بمثابة عالمي السري والخاص.
في ذلك العمر، كنت أعرف بالفعل أنني أريد أن أصبح فنانة، لكنني لم أتخيل أبداً أنني سأصبح مغنية فلامنكو محترفة.
* تلقيتِ تدريبكِ على يد عدد من كبار فناني الفلامنكو في إسبانيا، وكان للمغني الراحل خوان بينيا «إل ليبريخانو» تأثير عميق في مسيرتكِ. كيف أسهم هؤلاء الأساتذة في تشكيل هويتكِ الفنية وأسلوبكِ في الغناء؟
كانت لدي فرصة للتعلم من مغنين وفنانين كبار، منهم خوان خوسيه أمادور، خوسيه مينديز، ماري بينيا، أنطونيو فييار، وبالطبع أستاذي العزيز خوان بينيا إل ليبريخانو. كانوا جميعاً مبدعين جداً، ولم يعلّموني الفلامنكو باعتباره فناً ثابتاً أو متجمداً في الزمن، رغم وجود الكثير من القواعد والأصول بالطبع.
كما تعلمت الكثير من خلال حضور ما يُعرف بـ «Juergas»، وهي حفلات أو تجمعات تقليدية تُقام عادة بعد عروض الفلامنكو وفي ساعات متأخرة من الليل. يجتمع جميع الفنانين في مكان واحد ويعزفون الموسيقى لمجرد متعة مشاركة لحظة جميلة معاً.
كنت أذهب إلى النوم ليلاً، ثم أضبط المنبّه على الساعة الواحدة أو الثانية صباحاً، لأذهب إلى تلك الأماكن وأستمع إلى هؤلاء الفنانين حتى الصباح.
* تجمع تجربتكِ بين الفلامنكو التقليدي والمشاريع الموسيقية الحديثة، مثل «الفلامنكو الإلكتروني». كيف تحافظين على أصالة الفلامنكو، وفي الوقت نفسه تنفتحين على الابتكار والتجريب الموسيقي المعاصر؟
أعتقد أن لكل شيء وقته. هناك وقت لتعلّم التراث أولاً، وفهمه، والاستماع إليه، ومحاولة إعادة إنتاج أصواته بأكبر قدر ممكن من الدقة.
وهناك أيضاً وقت لمجرد ابتكار الموسيقى باستخدام كل ما تمتلكه من أدوات ومعارف.
أنا أحب الفلامنكو، لكنني، إلى جانب الفلامنكو، أحب الموسيقى بشكل عام. لذلك عندما أجد شيئاً جذاباً من الناحية الموسيقية، سواء كان تقليدياً أو تجريبياً، فإنني أذهب إليه وأحاول التعبير عنه بأفضل طريقة ممكنة.
* شاركتِ في العديد من المهرجانات والفعاليات الدولية، من بينها مهرجان كان السينمائي. ما أهم المحطات في مسيرتكِ الفنية التي تشعرين بالفخر تجاهها؟ وماذا أضافت إليكِ هذه التجارب على المستويين الفني والشخصي؟
أعتقد أن كل خطوة مهمة جداً، بدءاً من المكان الصغير أو المقهى أو الحانة التي تقدم فيها عرضاً، وصولاً إلى المسرح الكبير الذي تقف عليه للمرة الأولى.
أتذكر أنني شعرت بالكثير من الانبهار والامتنان عندما غنيت «الحب الساحر» (El Amor Brujo) للمؤلف مانويل دي فايا، برفقة أوركسترا سيمفونية في مدينة يكاتيرينبورغ في روسيا، ضمن المهرجان الكلاسيكي الكبير لافول روجني . وقبل أن أصعد إلى المسرح، توقفت للحظة وتذكرت نفسي وأنا أتعلم الفلامنكو بمفردي في غرفتي عندما كنت مراهقة، وأحاول أن أفهم كيف يعمل هذا الفن. كما أن الغناء في مهرجان كان السينمائي كان من الذكريات الملحمية في مسيرتي.
لكن بصراحة، أرى أن الفلامنكو يكون أكثر جمالاً بالنسبة لي في الأماكن الصغيرة، حيث يمكنك أن تشعر فعلاً بالجمهور الموجود أمامك. ومع ذلك، لا شك أن الأداء على المسارح الكبيرة يحمل أيضاً متعة وإثارة خاصة.
* إلى جانب الغناء، تقومين بتدريس فن الفلامنكو، كما تعملين على تطوير مشروعكِ الخاص في مجال التأليف والغناء باللغة الفرنسية. ما الرسالة الفنية التي تسعين إلى إيصالها من خلال هذه التجارب المتنوعة؟
تدريس الغناء الفلامنكي متعة كبيرة بالنسبة لي. فالصوت يمنحك إمكانية الوصول إلى الناس بطريقة صادقة وحقيقية جداً. لا يمكنك أن تكذب حقاً من خلال صوتك، وهذا أمر أحبه. أما فيما يتعلق بمشروعي الشخصي، فقد كنت أكتب الأغاني وأؤلف الموسيقى منذ أن كنت صغيرة جداً، وأنا أيضاً عازفة بيانو. وربما يكون هذا المجال هو الأقرب إلى هويتي العميقة والحقيقية. سأصدر ألبومي الأول في شهر ديسمبر ضمن هذا المشروع، الذي يمزج بين الأغنية الفرنسية «Chanson» والفلامنكو، وهذا الأمر يسعدني كثيراً.
* يرى العديد من الباحثين والفنانين وجود تقاطعات بين الفلامنكو والموسيقى الشرقية، سواء من حيث المقامات أو الإيقاعات أو التعبير العاطفي. كيف تنظرين إلى هذه العلاقة؟ وما أبرز أوجه التشابه والاختلاف من وجهة نظركِ؟
الفلامنكو هو فن ذو ثقافة مختلطة، وله أصول وجذور متعددة ومختلفة. وهو يرتبط بشكل جيد جداً بالموسيقى الشرقية، خصوصاً من ناحية التآلفات الموسيقية والزخارف الصوتية.
لكن للفلامنكو أيضاً جذور غجرية وهندية وسفاردية وأفريقية جنوب الصحراء، إضافة إلى جذور الفولكلور الإسباني. وهذا تحديداً ما يمنحه خصوصيته، ويجعل من الصعب جداً مقارنته بنمط موسيقي آخر.
* هل تعتقدين أن من الممكن المزج بين الفلامنكو والموسيقى الشرقية من دون أن يفقد أيٌّ منهما هويته الأصلية؟ وما العناصر التي ترين أنها ضرورية لنجاح مثل هذه المشاريع الفنية المشتركة؟
أعتقد أن ذلك ممكن، لكنه يتطلب الكثير من العمل من أجل ابتكار شيء لا يسيء إلى أي من الثقافات المشاركة ولا ينتقص من هويتها. لكن بالنسبة لي، ما هو أهم من الثقافات هو الموسيقى نفسها. إذا كان الفنانون موهوبين، وكانت هناك رغبة صادقة في التواصل والإبداع معاً وإنتاج شيء جميل، فلن تبقى هناك حاجة إلى طرح أسئلة من قبيل: «هل هذا فلامنكو؟ هل هذه موسيقى كوردية؟». إنها ببساطة موسيقى جميلة، وعندها لا يعود أحد يهتم بهذه التصنيفات.
* هل لديكِ معرفة سابقة بالموسيقى الكوردية أو بالتراث الفني الكوردي؟ وهل سبق لكِ أن استمعتِ إلى فنانين أو موسيقيين أكراد؟ وإذا كان الجواب نعم، فما انطباعكِ عن هذا الفن؟
ليست لدي معرفة واسعة بالموسيقى الكوردية، لكنني أشعر بقرب منها من الناحية الفنية. لقد عملت مع المغني وعازف الساز الكوردي روشان فيليزتك (Rusan Filiztek)، المقيم في باريس. وقد دعاني للمشاركة بالغناء في ألبومه «Exil»، إلى جانب عازف الغيتار الفلامنكي فرانسوا أريا. كانت تجربة جميلة جداً بالنسبة لي، أتاحت لي التواصل مع صوته وموسيقاه.
سجلنا أغنيتين: «Solea del Encuentro»، حيث إن «Solea» هي أحد الأنماط التقليدية في الفلامنكو القائمة على إيقاع من 12 ضربة، بينما تعني كلمة «Encuentro» باللغة الإسبانية «اللقاء».
والأغنية الثانية هي «La Travesia»، وهي مبنية على نمط آخر من الفلامنكو يسمى Buleria.
وفي «La Travesia»، أغني ترجمة باللغة الإسبانية لقصيدة للشاعر الفارسي سعدي، الذي عاش في القرن الثاني عشر.
كما استمعت إلى الموسيقى الكوردية من خلال فنانة فرنسية قد تعرفونها، وهي إليانور فورنيو (Eleonore Fourniau). إنها ممثلة مهمة جداً للثقافة والموسيقى الكوردية في فرنسا، وأنا أحب صوتها كثيراً.
* تمتلك الموسيقى الكوردية إرثاً غنياً من المقامات والإيقاعات والآلات الموسيقية التقليدية. برأيكِ، ما الذي يحتاج إليه الفن الكوردي للوصول إلى حضور عالمي أوسع والوصول إلى الجمهور الدولي، على غرار الانتشار العالمي الذي حققه فن الفلامنكو؟
من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، لأنني لا أعرف الموسيقى الكوردية بالقدر الكافي لكي أشارك رأياً دقيقاً حولها.
لكن ما يمكنني قوله هو أن ما يجعل الفلامنكو مميزاً جداً، في رأيي، هو كونه نتاج تعايش ثقافات مختلفة في مكان واحد. وقد كان الغجر بمثابة الكيميائيين العظماء لهذا المزيج الثقافي، وأسهموا بشكل كبير في جعله فناً فريداً ومتميزاً.
كما أن ما ساعد الفلامنكو على أن يصبح أكثر انتشاراً على المستوى الدولي هو الفنانون الذين أعادوا ابتكار الأشكال القديمة وخلقوا أصواتهم وأساليبهم الخاصة. وأفكر هنا في أسماء مثل باكو دي لوسيا، كامارون دي لا إيسلا، لولي إي مانويل، إنريكي مورينتي، أو أستاذي خوان بينيا إل ليبريخانو، على سبيل المثال لا الحصر.
* إذا أُتيحت لكِ فرصة التعاون مع فنانين كورد، هل ترين إمكانية إنتاج عمل فني يجمع بين الفلامنكو والموسيقى الكوردية؟ وما العناصر الموسيقية المشتركة التي يمكن أن تشكل أساساً لهذا المشروع؟ وما الرسالة الثقافية التي يمكن لمثل هذا التعاون أن يوصلها إلى الجمهور العالمي؟
أنا متأكدة من أن هذا يمكن أن يكون مشروعاً رائعاً ومميزاً جداً!أعتقد أن كلاً من الموسيقى الكوردية والفلامنكو هما موسيقيان متجذران بعمق، وشعبيان، وفي الوقت نفسه غنيان ومتطوران من الناحية الفنية. لكن الأهم من كل ذلك، أنهما يحملان الطاقة نفسها المتمثلة في المقاومة والحرية، لأنهما تعبيران عن شعوب كانت في فترات من تاريخها مهمشة ومضطهدة وملاحقة.
