• Tuesday, 18 August 2026
logo

الفنانة التشكيلية العراقية مريم العبيدي لـ "گوڵان": القيمة الحقيقية للوحة تكمن في أبعادها الفنية والإنسانية والقصة التي تحملها

الفنانة التشكيلية العراقية مريم العبيدي لـ

حاورها: خليل بله يي- گولان العربي

بين تفاصيل الصيدلة وحرية الألوان، استطاعت الفنانة التشكيلية مريم العبيدي أن ترسم لوحة مغايرة لمسيرتها المهنية والفنية. هذه الفنانة التي كانت بداياتها من عالم الأدوية والمختبرات، باتت اليوم تعبر بفرشاتها وألوانها عن الأمل والجمال المنسي في تفاصيل الحياة. في هذا اللقاء، نتحدث عن التحول الكبير في حياتها، ومدرستها الفنية، ورؤيتها لمستقبل الفن التشكيلي في العراق.

* بدايةً، هل يمكن أن تحدثينا باختصار عن مسيرتكِ الشخصية والعلمية والفنية، وما أبرز المحطات التي أسهمت في تشكيل تجربتكِ الفنية؟

-بدأت مسيرتي العلمية بدراسة الصيدلة، وكانت رحلة طويلة ومليئة بالتحديات. خلال تلك السنوات، كان الفن بالنسبة لي مساحة أتنفس من خلالها؛ ألجأ إليه لأمنح نفسي حرية التعبير والسفر في مخيلتي إلى عوالم أكثر جمالاً، بعيداً عن جفاف الجانب العلمي ودقته. بعد التخرج عملت في مجال الصيدلة، وكانت تجربة مهمة وجيدة، لكنني كنت أشعر دائماً أن هناك جانباً في داخلي لم يجد مساحته بعد. جاءت نقطة التحول عندما عملت في معرض فني، وهناك اقتربت أكثر من عالم الفن، واستهواني هذا العالم حتى وجدت نفسي أنغمس فيه شيئاً فشيئاً، وأكتشف أن هذا هو الجانب الذي كنت أبحث عنه.

* درستِ وعملتِ في المجال الطبي قبل التوجه إلى الفن التشكيلي؛ كيف حدث هذا التحول من الطب إلى الفن؟ وهل ما زلتِ تمارسين العمل في المجال الطبي إلى جانب نشاطكِ الفني؟

-حدث التحول بعد نحو أربع سنوات من عملي في مجال الصيدلة، حين شعرت برغبة في استكشاف خيارات أخرى في حياتي. بحثت عن تجربة مختلفة، وكانت الفرصة بالعمل في معرض فني The Gallery. كانت تجربة جميلة أتاحت لي التعرف إلى فنانين وفنانات رائعين، ومن خلالها اكتشفت مدى تعلقي بالفن. في تلك الفترة، كان كل من يشاهد أعمالي البسيطة يشجعني على الاستمرار وتطوير مهاراتي.

بعد ذلك التقيت بالفنان صباح حمد، وتعلمت منه الكثير عن أساسيات الرسم والفن، وكان له دور كبير في تطوير مهاراتي ونظرتي الفنية. ثم واصلت دراستي للفن في المؤسسة الأمريكية «ميلان للفنون»، لتصبح تجربتي أكثر عمقاً ووضوحاً. وحتى اليوم، ما زلت أعمل في المجال الطبي إلى جانب نشاطي الفني، وأجد أن لكل منهما مساحة مختلفة في حياتي.

* لكل فنان مدرسة أو اتجاه فني يشعر بأنه الأقرب إلى روحه وأسلوبه؛ ما المدرسة الفنية الأقرب إليكِ؟ وكيف انعكست على أعمالكِ؟

-أشعر بقرب كبير من المدرسة الانطباعية، وكذلك من الأسلوب الذي يمزج بين التجريد والواقعية. ما يجذبني في هذه الاتجاهات هو الحرية التي تمنحها للفنان؛ فهي تسمح له بأن ينطلق من شيء واقعي، لكنه لا يقدمه كما تراه العين فقط، بل كما يشعر به ويراه من داخله. وهذا ما أحاول أن أعكسه في أعمالي؛ أن يكون الواقع حاضراً، لكن من خلال رؤيتي الخاصة، وأن تحمل كل لوحة شيئاً من روحي وانطباعي الشخصي تجاه الموضوع.

* كيف تقيّمين واقع الفن التشكيلي في العراق اليوم؟ وهل تعتقدين أن الحركة التشكيلية العراقية تستعيد حضورها ومكانتها التي عُرفت بها تاريخياً؟

-أرى أن الفن التشكيلي في العراق مازال بحاجة إلى مزيد من الدعم والوعي المجتمعي، فعدد المهتمين بالفن التشكيلي وفهمه لا يزال محدوداً مقارنة بالإرث الحضاري والفني الكبير الذي يمتلكه العراق. ومع ذلك، نلاحظ في السنوات الأخيرة تطوراً واضحاً في الحركة التشكيلية العراقية، وظهور محاولات جادة ومتنوعة لاستعادة حضور الفن ومكانته التي عُرف بها العراق تاريخياً، وهذا أمر يدعو إلى التفاؤل.

* كيف تقيمين نظرة المجتمع العراقي إلى الفن التشكيلي؟ وهل أصبح الجمهور أكثر اهتماماً واقتناعاً بأهمية الفن ودوره في التعبير عن قضايا المجتمع؟

-المجتمع العراقي بطبيعته مجتمع حيوي ومحب للفن بمختلف أشكاله، سواء كان فناً تشكيلياً أم موسيقى أو أدباً أو غيرها من الفنون. ومن الجميل أن البيت العراقي نادراً ما يخلو من قطعة فنية، ولو كانت بسيطة، تحتل زاوية خاصة وتضيف إليها شيئاً من الجمال. ومع مرور الوقت والانفتاح الأكبر على التجارب الفنية المختلفة، أعتقد أن الوعي بأهمية الفن بدأ يتطور، ليس بوصفه عنصراً جمالياً فقط، وإنما وسيلة للتعبير عن الواقع والذاكرة والأحداث التي نعيشها.

* خلال مشاركتكِ في المعارض الفنية داخل العراق وخارجه، ما أكثر ما يلفت انتباهكِ كفنانة وكجزء من الجمهور: مستوى الأعمال، تنوع المدارس الفنية، طريقة العرض، أم تفاعل الجمهور مع اللوحات؟

-كفنانة، أكثر ما يلفت انتباهي هو تفاعل الجمهور مع العمل الفني؛ لحظة التوقف أمام اللوحة، والتأمل الطويل فيها، ثم السؤال عن قصتها أو عن المواد والتقنيات المستخدمة. أحب تلك اللحظة التي أشعر فيها أن المتلقي يقف أمام لغز صغير ويحاول أن يفك أسراره بطريقته الخاصة.

أما كجزء من الجمهور، فأكثر ما يجذبني هو التنوع؛ تنوع الأساليب والمدارس والرؤى. وأستمتع بشكل خاص بالأعمال التي يصعب وضعها ضمن إطار أو مدرسة محددة، وكأن الفنان صنع لنفسه لغة بصرية خاصة به. هذا النوع من الجرأة والتفرد يلهمني ويلامسني كثيراً.

* برأيكِ، ما أبرز الفروقات بين الفن التشكيلي العراقي اليوم والفن الذي كان سائداً في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، من حيث الموضوعات والأساليب والمدارس الفنية وحضور الفنان في المجتمع؟

-أرى أن فن السبعينيات والثمانينيات كان أكثر ارتباطاً بالهوية العراقية والتراث والرموز المحلية، إلى جانب الحضور الواضح للمدارس والجماعات الفنية والمؤسسات الثقافية، وكان للفنان آنذاك حضور بارز ومكانة واضحة في المجتمع.

أما الفن العراقي اليوم فأصبح أكثر فردية وتنوعاً، واتجه كثير من الفنانين إلى موضوعات الذاكرة والحنين والهوية الشخصية والتحولات الاجتماعية، مع مزج أكبر بين الأساليب والوسائط الفنية المختلفة. كذلك تغيّرت طريقة حضور الفنان؛ فلم تعد مرتبطة بالمؤسسات والمعارض وحدها، بل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والسوق الفني جزءاً مهماً من حضوره ووصول أعماله إلى الجمهور.

* هل توجد علاقات وتعاون فني بينكِ وبين الفنانين التشكيليين الكورد في إقليم كوردستان؟ وهل ترين إمكانية تطوير هذا التعاون من خلال المعارض والورش والمشاريع الفنية المشتركة؟

-لم تتح لي حتى الآن فرصة المشاركة في معارض فنية في إقليم كوردستان أو الدخول في تعاون مباشر مع الفنانين التشكيليين الكورد، لكنني أتطلع إلى ذلك بكل ترحيب. أرى أن المعارض والورش والمشاريع المشتركة يمكن أن تخلق مساحة جميلة لتبادل التجارب والرؤى الفنية، ويسعدني أن تتاح لي مستقبلاً فرصة المشاركة والتعاون مع الفنانين في الإقليم.

*حين تبدئين برسم لوحة جديدة، على ماذا تستندين في اختيار موضوعها وألوانها وتكوينها؟ وهل تستمدين أفكاركِ من الواقع، أم من التجربة الشخصية، أم من الخيال والذاكرة؟

-غالباً ما تبدأ اللوحة لدي من لحظة عشتها، أو زاوية لفتت انتباهي، أو إحساس بقي عالقاً في ذاكرتي. أحب أن أرسم اللحظات الجميلة والزوايا المنسية التي قد يمر بها الآخرون دون أن ينتبهوا إليها؛ فأنا أجد جمالاً خاصاً في هذه التفاصيل الصغيرة.

أما في الألوان، فأميل إلى الألوان الحيوية والمفعمة بالحياة، وأحب أن تمنح اللوحة إحساساً بالأمل والفرح لمن يراها. أفكاري تأتي من مزيج بين الواقع والتجربة الشخصية والذاكرة والخيال؛ فجمال الفن بالنسبة لي يكمن في قدرته على تحويل ما نشعر به في الداخل إلى شيء يمكن للآخر أن يراه ويشعر به بطريقته الخاصة.

*هل بإمكان الفنان التشكيلي العراقي اليوم أن يجعل من بيع أعماله مصدراً حقيقياً ومستداماً للرزق؟ وما أبرز التحديات التي تواجه الفنان في تسويق أعماله وبيعها داخل العراق وخارجه؟

-أعتقد أن الاعتماد على بيع اللوحات وحدها كمصدر ثابت ومستدام للدخل ليس مستحيلاً، لكنه بالتأكيد صعب، ويحتاج إلى وقت واستمرارية وبناء جمهور يقدّر العمل الفني. ومن التحديات التي ظهرت في السنوات الأخيرة التطور السريع للذكاء الاصطناعي ولجوء البعض إليه كبديل أقل تكلفة عن العمل الفني الذي يصنعه الفنان، وهو تحدٍ لا يقتصر على الفنان العراقي، بل يواجه الفنانين في مختلف أنحاء العالم. ومع ذلك، أؤمن أن للعمل الذي تصنعه يد الإنسان وتمنحه شيئاً من تجربتها وروحها قيمة لا يمكن اختزالها في الصورة وحدها.

* حدثينا عن تجربتكِ في بيع أعمالكِ: كم لوحة تقريباً بعتِ خلال مسيرتكِ الفنية، وما أعلى سعر بيعت به إحدى لوحاتكِ؟ وهل ترين أن قيمة اللوحة تُقاس بسعرها أم بقيمتها الفنية والإنسانية؟

-تجربتي في عالم الفن لا تزال في بدايتها، ومع ذلك تمكنت حتى الآن من بيع أكثر من 25 عملاً فنياً. قد يرى البعض أن الرقم بسيط، لكنني أراه خطوة جميلة وتطوراً سريعاً ومشجعاً في مسيرتي، خصوصاً أن كل عمل يجد مكانه لدى شخص اختاره لأنه شعر بشيء تجاهه.

أما أعلى سعر بيعت به إحدى لوحاتي فكان في حدود 500 ألف دينار عراقي تقريباً. وبالنسبة لي، لا يمكن اختزال قيمة اللوحة في سعرها؛ فقيمتها الحقيقية تكمن في بعدها الفني والإنساني، وفي القصة التي تحملها، والإحساس الذي تتركه لدى من يقف أمامها. السعر قد يحدد قيمة العمل في السوق، لكن الأثر الذي تتركه اللوحة هو ما يمنحها قيمتها الأعمق.

 

الفنانة التشكيلية العراقية مريم العبيدي لـ

Top