هل يحق للكورد استرجاع أراضيهم المغتصبة؟ خارطة طريق دستورية لمعضلة أمدها قرن
كركوك- كولان العربي - طارق كاريزي
ضمن ندوة مفتوحة قدمتها مكتبة كاريز في مدينة كركوك يوم 12/آب الجاري، ناقش عدد من نخب كركوك الثقافية موضوع المادة 140 من الدستور العراقي. وطرح المشاركون في الندوة آرائهم حول فحوى المادة والغاية من ادراجها في الدستور العراقي الصادر عام 2005، واتفقت أغلبية الآراء على ان هذه المادة وضعت خارطة طريق دستورية لمعالجة معضلة عانت منها الدولة العراقية منذ تأسيسها عام 1921، فيما أبدى عدد من الحضور اعتراضهم على المادة والآلية التي وضعت لتنفيذها، علاوة على استعراض العوائق التي وضعت امام تطبيقها والتلكؤ من جانب الكورد، بحسب المشاركين.
عودة نحو الجذور
قبل تأسيس الدولة العراقية رفع الكورد بقيادة الثائر الشهير الشيخ محمود الحفيد شعار قيام مملكة كوردستان الجنوبية، بينما العراقيون العرب كانوا يعيشون تداعيات صدمة انهيار الدولة العثمانية حتى اندلاع ثورة العشرين عام 1920، طالب الكورد قبل دخول البريطانيين الى كوردستان الجنوبية بالاستقلال. المطالب الكوردية لم تلتقي ولم تتوافق مع المخطط الاستعماري البريطاني الذي وضع المطالب الكوردية جانبا وقام بهندسة جغرافية المنطقة وتوزيعها بحسب عدد من الدول الجديدة على بقايا الاملاك العثمانية. وهكذا نرى ظهور عدد من الدول الجديدة في الشرق الأوسط خلال النصف الأول من القرن العشرين، بالتزامن بالتزامن مع حرمان الكورد من حق السيادة. تهميش مطالب الكورد وحقهم في تقرير المصير، لم يثني هذا الشعب من ادامة المطالبة بالاستقلال وحق تقرير المصير، التفاوت من حيث القوّة والقدرة ما بين الكورد والدول الجديدة التي تلقت كل الدعم والاسناد من القوى الاستعمارية، فرضت كفة سيادة الشعوب المجاورة على اجزاء كوردستان الأربعة، رغم ذلك لم يصمت الكورد حيال الظلم والحرمان من الحقوق التي طالتهم، لذلك قاموا بسلسلة من الثورات والانتفاضات المتتالية خصوصا في جنوب كوردستان (كوردستان العراق).
انتفاضات الكورد وثوراتهم التحررية جوبهت بالرفض من قبل السلطات العراقية منذ تأسيس الدولة وتم التعامل معها بالحديد والنار وتاليا بالأسلحة الكيماوية والتعريب والتهجير القسري واغتصاب الأراضي والاملاك واتباع سياسة الأرض المحروقة، وبذلك تعقدت وتشعبت القضية الكوردية في العراق بعد مسار العنف الذي اختارته السلطات لقمع الكورد وكبح تطلعاتهم. دولة العراق لم تتعامل مع الكورد من منطلق منطق المواطنة، بل نظرت للقضية الكوردية من منظار أمني بحت، واعتبرت المطالب الكوردية خطرا على (الأمن القومي) العراقي وبالتالي العربي. هذه النظرة من جانب السلطات في بغداد مهدت لارتكاب جرائم بشعة ضد الانسانية، من خلال تنفيذ سياسة تحجيم الكورد وطردهم من مدنهم وقراهم وتشريدهم والاستيلاء على أراضيهم وأملاكهم. هذا المشهد الانساني المعقد الذي ارتكبت فيه السلطات العراقية جرائم واسعة ضد الانسانية قل نظريها في العالم، استوجب بعد سقوط نظام صدام عام 2003 تقديم معالجات قانونية تحقق العدالة الانتقالية وتاليا تمهد لوضع حلول نهائية للقضايا العالقة بين بغداد ومواطنيها من الكورد.
ومن هنا جاءت المادة (58) من (قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية) إذ تقول:
(أ) تقوم الحكومة العراقية الانتقالية ولا سيما الهيئة العليا لحل النزاعات الملكية العقارية وغيرها من الجهات ذات العلاقة، وعلى وجه السرعة، باتخاذ تدابير من أجل رفع الظلم الذي سببته ممارسات النظام السابق والمتمثلة بتغيير الوضع السكاني لمناطق معينة بضمنها كركوك، من خلال ترحيل ونفي الأفراد من أماكن سكناهم، ومن خلال الهجرة القسرية من داخل المنطقة وخارجها، وتوطين الأفراد الغرباء عن المنطقة، وحرمان السكان من العمل، ومن خلال تصحيح القومية. ولمعالجة هذا الظلم على الحكومة الانتقالية العراقية اتخاذ الخطوات التالية:
فيما يتعلق بالمقيمين المرحلين والمنفيين والمهجرين والمهاجرين، وانسجاماً مع قانون الهيئة العليا لحل النزاعات الملكية العقارية، والإجراءات القانونية الأخرى، على الحكومة القيام خلال فترة معقولة، بإعادة المقيمين إلى منازلهم وممتلكاتهم، وإذا تعذر ذلك على الحكومة تعويضهم تعويضا عادلا.
بشأن الأفراد الذين تم نقلهم إلى مناطق وأراض معينة، وعلى الحكومة البت في أمرهم حسب المادة 10 من قانون الهيئة العليا لحل النزاعات الملكية العقارية، لضمان إمكانية إعادة توطينهم، أو لضمان إمكانية تلقي تعويضات من الدولة، أو إمكانية تسلمهم لأراض جديدة من الدولة قرب مقر إقامتهم في المحافظة التي قدموا منها، أو إمكانية تلقيهم تعويضاً عن تكاليف انتقالهم إلى تلك المناطق.
بخصوص الأشخاص الذين حرموا من التوظيف أو من وسائل معيشية أخرى لغرض إجبارهم على الهجرة من أماكن إقامتهم في الأقاليم والأراضي، على الحكومة أن تشجع توفير فرص عمل جديدة لهم في تلك المناطق والأراضي.
أما بخصوص تصحيح القومية فعلى الحكومة إلغاء جميع القرارات ذات الصلة، والسماح للأشخاص المتضررين، بالحق في تقرير هويتهم الوطنية وانتمائهم العرقي بدون إكراه أو ضغط.
(ب) لقد تلاعب النظام السابق أيضاً بالحدود الإدارية وغيرها بغية تحقيق أهداف سياسية. على الرئاسة والحكومة العراقية الانتقالية تقديم التوصيات إلى الجمعية الوطنية وذلك لمعالجة تلك التغييرات غير العادلة. وفي حالة عدم تمكن الرئاسة الموافقة بالإجماع على مجموعة من التوصيات، فعلى مجلس الرئاسة القيام بتعيين محكم محايد وبالإجماع لغرض دراسة الموضوع وتقديم التوصيات. وفي حالة عدم قدرة مجلس الرئاسة على الموافقة على محكم، فعلى مجلس الرئاسة أن يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة تعيين شخصية دولية مرموقة للقيام بالتحكيم المطلوب.
(ج) تؤجل التسوية النهائية للأراضي المتنازع عليها، ومن ضمنها كركوك، إلى حين استكمال الإجراءات أعلاه، وإجراء إحصاء سكاني عادل وشفاف وإلى حين المصادقة على الدستور الدائم. يجب أن تتم هذه التسوية بشكل يتفق مع مبادئ العدالة، آخذاً بنظر الاعتبار إرادة سكان تلك الأراضي.
موقف الدستور من الظلم الذي طال الكورد
شخص قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ملامح جملة من المظالم التي ارتكبت بحق الكورد العراقيين من قبل السلطات، خصوصا إبان عهد البعث (1968- 2003)، وفي ذات الوقت وضع اسس قانونية لرفع ومعالجة تداعيات هذه المظالم. وبعد سن الدستور العراقي 2005 والتصويت عليه من قبل الشعب العراقي، بات هو المرجع الأعلى للتشريعات ومصدر الشرعية الأعلى في البلد، ونظرا لحساسية الموضوع وعمق المعاناة وحجم المظالم الكثيرة التي ارتكبت ضد العراقيين عموما والمواطنين من الكورد العراقيين خصوصا، استوجب على المشرّعين والمساهمين في صياغة الدستور أخذ هذه المسألة بعين الاعتبار، نظرا لخطورة الانتهاكات التي ارتكبت ومن باب التطلع لتحقيق العدالة، ومن هذا المنطلق جاءت المادة 140 من الدستور العراقي لتكون بمثابة خارطة الطريق المثلى لمعالجة آثار سياسات العسف التي اتبعتها الحكومات العراقية السابقة خصوصا ابان عهد البعث. وبذلك وردت المادة 140 في الدستور العراقي 2005 لرفع الحيف الذي طال سكان مناطق واسعة من كوردستان العراق، بدءا من سنجار عند الحدود السورية مرورا بسهل نينوى ومن ثم محافظة كركوك، وصولا الى خانقين ومندلي وزرباطية وبدرة في محافظتي ديالى وواسط.
تقول نص المادة (140) من الدستور العراقي 2005 ما يلي:
أولاً: تتولى السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ متطلبات المادة (٥٨) من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بكل فقراتها.
ثانياً: المسؤولية الملقاة على السلطة التنفيذية في الحكومة الانتقالية والمنصوص عليها في المادة (٥٨) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية تمتد وتستمر إلى السلطة التنفيذية المنتخبة بموجب هذا الدستور على ان تنجز كاملة (التطبيع، الاحصاء وتنتهي باستفتاء في كركوك والمناطق الاخرى المتنازع عليها لتحديد إرادة مواطنيها) في مدة اقصاها الحادي والثلاثون من شهر كانون الاول سنة الفين وسبعة .
جدلية المادة (140)
استبشر الكورد المرحلون والمهجرون قسرا من مناطقهم في المناطق الكوردستانية خارج الاقليم (المناطق المتنازع عليها بحسب الدستور العراقي) خيرا بالدستور وبالذات المادة 140 وعلّقوا عليها الكثير من الآمال لجهة استرجاع حقوقهم المسلوبة وانصافهم بعد عقود من العسف والظلم الذي ارتكب بحقهم. وهنا يجدر الاشارة الى نموذج بسيط لمدى الظلم الذي ارتكب ضد الكورد العراقيين. قامت الحكومة العراقية عام 1987 بهدم وحرق كافة قرى ناحيتي شوان وبردي (التون كوبري) والتي تبلغ حوالي 100 قرية، ومن ثم نهب ما فيها من ممتلكات ومواشي ودواجن وتهجير سكانها قسرا واسكانهم وحصرهم في مجمعات سكنية قسرية في اطراف اربيل في مسعى من سلطات البعث لتعريب المنطقة وابعاد الكورد عن أملاكهم وأراضيهم الغنية بثروتي النفط والغاز مع اراض زراعية خصبة. وقامت سلطات البعث منتصف تسعينات القرن الماضي بمنح أراضي وأملاك هذه القرى الكوردية الى أبناء عشائر عربية استقدمتهم من خارج محافظة كركوك. ومن سخريات القدر، كان البعض من أصحاب هذه القرى الأصليون يأتون من أربيل ويعملون بأجر يومي فوق أرضهم التي ورثوها ابا عن جدا لصالح مالكها الجديد (والأصح ان نقول مغتصبها). السلطات العراقية ابان عهد البعث وثقت كل هذه الجرائم بحق الكورد من خلال خطابات رسمية، وكانت تعلن جهارا وتصرح دون خجل او وجل في أوامرها الرسمية، بأنها تقوم بحملات التعريب وبناء الحزام العربي حول اطراف كركوك تمهيدا لسلخها من كوردستان. يجدر ان نقول، ان مظالم اغتصاب أراضي وأملاك القرويين لم تقتصر على الفلاحين والمزارعين الكورد فحسب، بل طالت العديد من القرى التركمانية في كركوك ومناطق اخرى أيضا.
بناء على ما سلف، أبدى الكورد طوال حوالي ربع قرن الماضي ومنذ اقرار الدستور العراقي 2005 تأييدهم ودعمهم للمادة 140 من الدستور العراقي، من باب التطلع لتحقيق العدالة ورفع الظلم الذي اقترف بحق الكورد في المدن والأرياف. فيما أبدت شرائح محددة من العراقيين العرب، خصوصا المستفيدين من هذه الاجراءات الظالمة وبعض القوى السياسية التركمانية، رفضها للمادة 140 من الدستور، ولعل التصريح الذي أدلى به السيد محمد سمعان آغا محافظ كركوك في مقابلة متلفزة ضد المادة 140 كان آخر بادرة ضد هذه المادة تطلق على لسان سياسي تركماني.
ماذا تقول نخب كركوك؟
نعود الى منصة كاريز والندوة المفتوحة التي أقامتها حول المادة 140 لنطلع على آراء نخب كركوك حول هذه المادة التي لها ارتباط وثيق بمصير ومستقبل كركوك اداريا، ترى هل يصح ان تبقى كركوك منطقة تقاطع وخلاف بين بغداد وكوردها، ام انها ستجد مسارا لحل قضيتها بعد أكثر من قرن من عمر الدولة العراقية التي شهدت عدة أزمات مستدامة وكركوك احداها، حيث عجزت السلطات العراقية طوال قرن من عمر الدولة عن حلها، رغم العديد من الاتفاقيات التي ابرمت بين بغداد وثورة التحرر الكوردستانية.
الاعلامي محمد طاهر قال في مداخلته: شهدنا خلال الأعوام الماضية ومنذ صدور الدستور العراقي 2005 تقديم أكبر عدد من التقارير الاعلامية حول المادة 140 من الدستور، الحكومة الاتحادية لم تلتزم بمواد الدستور وهناك أجندات خارجية تلعب دورا سلبيا في اعاقة تطبيق مواد وبنود الدستور، خصوصا هذه المادة التي ترفع العسف والظلم وتنهي اشكالية الحدود الفاصلة بين اقليم كوردستان وباقي مناطق العراق. وأكد على ضرورة تخطي عقدة الشعور بالنقص لدى الكورد حيال الآخر.
الناشط السياسي حسين كركوكي أوضح، هذه المادة تتعلق بملف قانوني وسياسي وكانت جزءا من الصراع السياسي الطويل بين قيادات الثورة الكوردستانية والحكومات العراقية. أنا اعتقد ان الكورد لم يستفيدوا من الفرصة التي سنحت لهم بعد 2003 لممارسة المزيد من الضغط لحل الملفات العالقة بين بغداد وكوردستان. ولعل ثنائية الادارة الكوردستانية بعد سقوط النظام السابق قد ألحقت المزيد من الأضرار بقضية كركوك وباقي المناطق الكوردستانية خارج الاقليم، وارتكب المشرّعون خطأ تحديد عامين لتطبيق المادة 140 من الدستور. وفيما يتعلق بحدود اقليم كوردستان، نجد ان الدستور العراقي حدد حدود اقليم كوردستان في المادة 53 فقرة (أ)، حين أقرّ بأن سلطات حكومة الاقليم تمتد على المناطق التي كانت خاضعة لسلطاته حتى يوم 9/آذار/2003. وتابع كركوكي القول، العراق لم يتحرر بل اسقط نظام صدام، والعراق ليس اتحاديا، لأنه هناك حكومة مركزية واقليم واحد، شرط الاتحادية ان يكون لدينا مجلسين في بغداد، مجلس النواب والمجلس الاتحادي، ولا وجود للمجلس الاتحادي حتى الآن، هذا يعني ان مواد وبنود الدستور لا تجد طريقها للتطبيق، وهذا يستدعي البحث عن حلول بديلة خصوصا فيما يتعلق بالمادة 140 الخاصة المناطق الكوردستانية التي شهدت أوضاعا غير طبيعية وطبقت فيها سياسات فصل عنصرية ضد السكان الأصليين من أبناء هذه المناطق.
الناشط الثقافي والسياسي ابراهيم مجيد فيلي قال في مداخلته: الواقع العراقي لم يتغير بعد عام 2003، فالعقيلة الحاكمة في بغداد فيما يتعلق بالشأن الكوردي، هي امتداد لما سبقتها، نحن ثبّتنا مادة في الدستور العراقي، لكنها غير مجدية وتعذر تطبيقها، مثلا لديك مواطن (كوردي أو تركماني) لديه سند (طابو) امتلاكه لقطعة ارض، جاءت المادة 140 لتقرّ لهذا المواطن بحقه وتعترف بشريك له، هذا ليس من العدالة ابدا، كافة الأراضي والمناطق التي تعرضت للتعريب هي مناطق كوردستانية بحتة، لذلك بادرت السلطات العراقية في حينه الى تغيير الواقع السكاني لهذه المناطق من خلال سلسلة اجراءات عنصرية وبالضد من مبادئ حقوق الانسان والمواثيق الدولة، تضرر بسببها أصحاب الأرض الأصليين بسبب خلفية انتمائهم الاثني حيث سلبت منهم الأراضي والأملاك، وجاء الوافدون من خارج جغرافية المنطقة ليفرضوا عليها ويتمتعوا بخيراتها مع حرمان السكان الأصليين من كافة حقوقهم المدنية، ليس هذا فحسب، بل تم طرد وتهجير وترحيل الكورد قسرا الى خارج مناطقهم الأصلية.
وتابع الناشط ابراهيم مجيد، انا أعتقد كان من المفروض على القادة الكورد أن يفرضوا معالجة مسألة المناطق الكوردستانية التي تعرضت للتعريب في مؤتمر لندن للمعارضة العراقية ويثبتوا مسألة عودة المناطق الكوردستانية الى جغرافية اقليم كوردستان. تعامل نظام صدام من منطلق منع الكورد من امتلاك القاعدة الاقتصادية التي تؤهلهم للاستقلال عن العراق، لذلك قال لوفود التفاوض الكوردية بأنه غير مستعد لضم كركوك الى مناطق سيطرة الكورد، لأنه بحسب رؤيته انضمام كركوك الى منطقة كوردستان يؤثر على الأمن القومي العراقي والعربي، هكذا كان ينظر صدام من منطلق أمني بحت الى مسألة المناطق الكوردستانية. جدير بالذكر ان قوى المعارضة العراقية اقترحت تأجيل مسألة حسم هوية كركوك وتبعيتها الى ما بعد توليهم السلطة، وبذلك خسر الكورد الرهان وبقيت مسألة كركوك وباقي المناطق الكوردستانية نقطة عالقة بين بغداد وكوردستان.
تطرق الباحث هوشيار بكر روزبياني الى مسألة الالتزام بالقوانين والدستور في ظل الدولة العراقية، قال موضحا: أثبتت التجارب المتتالية ان الدستور والقوانين تخرق في العراق، ليست السيادة للقانون في هذا البلد، يقال بأن المادة 140 هي خطأ استراتيجي، طيب ما البديل لذلك؟ الدساتير التي أقرها القوميين والبعثيين أثناء فترات قيادتهم البلد، كانت تكتب بين ليلة وضحاها، وكان دستور العراق اثناء فترة حكم حزب البعث مؤقتا حتى مطلع تسعينات القرن الماضي. ان الدستور العراقي 2005 دستور راق ومتقدم، وهو أفضل دستور على مستوى دول الشرق الأوسط، بل انه يضاهي دساتير البلدان الأوروبية، لكن العبرة في التنفيذ وهناك انتقائية في التعامل مع مواد وبنود الدستور في ظل ديمقراطية تتحكم فيها الأكثرية البرلمانية، وهذا لب المشكلة. بعض النخب العراقية تتحجج بأن الدستور العراقي كتب في ظل الاحتلال، والمتابع يعلم ان الدستور كتب بأيد وارادة عراقيتين، ومن المهم التذكير بأن كل الذي جاء في الدستور العراقي 2005 فيما يتعلق بحقوق الكورد، ورد في اتفاقية 11 آذار 1970 بين قيادة ثورة التحرر الكوردستانية والحكومة العراقية آنذاك، وقد جاء في تلك الاتفاقية أيضا بأن سكان كركوك هم من يقررون الانضمام الى الحكم الذاتي لكوردستان من عدمه، لكن الحكومة العراقية كانت على علم تام بحسب البيانات الاحصائية التي كانت بحوزتها، بأن الكورد يشكلون أغلبية السكان وأغلبية السكان كانوا مع انضمام كركوك الى منطقة كوردستان للحكم الذاتي، لذلك تنصلت عن تنفيذ هذا البند من الاتفاقية. وفيما يتعلق بالمادة 140 من الدستور العراقي، فان المادة تبقى سارية المفعول حتى تنفيذ كافة فقراتها.
الناشط المدني محمد عبيد برزنجي قال، ان المادة 140 جاءت لمعالجة مسألة المناطق المتنازع عليها، لكن المشكلة هي في عدم تطبيق الدستور الذي اقرّ في هذه المادة، بأنه يجري تطبيع كافة المناطق التي تعرضت للتغيير الديمغرافي والاجراءات التعسفية التي أخلّت بحقوق المواطنة وحقوق الانسان، وبعد مرحلة التطبيع التي تشمل عودة المهجرين والمرحلين قسرا الى مناطقهم وتسهيل عودة الوافدين الى مناطقهم ومحافظاتهم التي قدموا منها، وتعويض الطرفين وفق معايير عادلة، يعقبه اجراء احصاء سكاني تمهيدا لإجراء الاستفتاء ليكون الخيار لسكان كركوك من حيث تحديد تبعيتهم الادارية ما بين بغداد واربيل. ويجب أن لا ننسى ان للعاملين الاقليمي والدولي دورهما المؤثر في قضية كركوك لجهة الثروة التي تمتلكها هذه المحافظة.
الناشط المدني هفال دارا قدم خلال مداخلته تفاصيل حول الموضوع، وقال: الأحداث التي مرّت بالعراق حتى انتهاء الحرب الباردة بين القطبين كانت ذات صلة مباشرة بالصراع الدولي وهي جزء من مخططات استخباراتية شاركت فيها العديد من القوى الدولية والاقليمية، والمادة 140 غير محصورة بين الكورد والعرب، بل هي تشمل كافة المذاهب وذات علاقة بالكورد والعرب والتركمان، وكذلك لها علاقة بكل من العراق وايران وسوريا وتركيا، القوانين تشرّع لكن لا تجد طريقها للتطبيق. كركوك هي منطقة نزاع مستدامة بين بغداد وحركة التحرر الكوردستانية، ويجب ان لا يغرب عن البال بانه هناك ما بين 20- 25 منطقة متنازعة عليها في العالم، كركوك احداها. بغض النظر عن مآل الامور، من المهم بناء البنية التحتية الاساسية في كركوك بالشكل الذي تأخذ المواطن والأرض معا بنظر الاعتبار، يجب ان لا ينحصر الاهتمام بالأرض دون المواطن، ويجدر هنا الوقوف عند مسألة النسب السكانية بين المكونات، تعرضت كركوك لسياسات فصل عنصري مقيتة أدت الى تراجع نسبة الكورد وباقي المكونات الأصيلة في كركوك، وتأقلم المرحلون والمهجرون قسرا من كركوك ومناطق اخرى مع بيئاتهم الجديدة، لذلك نحن بحاجة ماسة لتبني مشاريع متنوعة تشجع اعادة توطين الكورد المهجرين وتهيئة الظروف المناسبة التي تمهد لعودة ولو نسبة من المرحلين والمهجرين الى كركوك وريفها. وهناك حالة تعاني منها كركوك، وهي ارتفاع نسبة مقاطعة الانتخابات بين كورد كركوك وهذا يؤثر على توزيع المقاعد النيابية ومقاعد مجلس المحافظة بين المكونات.
وعرج الناشط الثقافي هفال دارا على ناحية اخرى من هذه القضية وقال: من الامور التي يجدر الاشارة اليها هي لوحات الدلالة، نرى ان اللغتين العربية والانكليزية تتصدران كتابة اسماء لوحات المحال التجارية وتليهما الكوردية ثالثا. وهذا دليل على التراجع الثقافي الذي يستوجب ترسيخه ولا يعبر عن الواقع الاثني والثقافي لكركوك. والعراق ليس دولة ناجحة ومرّت بعهود مختلفة لكنها عجزت عن تحقيق التقدم وضمان الرفاهية لسكانه، لذلك من المهم السعي لبناء دولة الرفاهية لشعب كوردستان.
الاعلامي الشهير على المستويين المحلي والدولي، هونر أحمد قال في مداخلته وبصراحته وجرأته المعهودة: ما الذي فعلناه نحن بعد 2003، لقد كانت فرصة مثلى بالنسبة لنا لإعادة تطبيع الأوضاع ومحو آثار عقود من سياسة الصهر والفصل العنصريين التي اتبعتها السلطات ضد السكان الأصليين في (المناطق المتنازع عليها)، الم يكن بالإمكان بناء أحياء عصرية جديدة لمواطني كركوك الذين تضرروا بسبب سياسات التعريب المجحفة التي استهدفتهم في مركز مدينة كركوك والبلدات والقرى التابعة لها؟ الأحزاب الكوردستانية تستعين بالمرحلين والمهجرين قسرا وتفكر بهم فقط عند حلول مواعيد التصويت والانتخابات، بل حتى مشاريع الاستثمار العقاري التي نفذت في كركوك لم تحمل أسماء محلية ذات ارتباط بالهوية الثقافية لكركوك، فرضت اسماء اجنبية وعربية من باب ادامة مسار تعريب المدينة، نحن الكورد نستخدم كركوك كورقة تصويت عند الحاجة، ولدى العرب نفس الاشكالية، فالحلبوسي مثلا، قدم الكثير من الوعود للناخبين من عرب كركوك فقط لجمع الأصوات لا غير، لكنه لم يمنح أي منصب لشخصية عربية من كركوك في الحكومة الاتحادية. أثناء حملات الانتخابات يتم تحشيد وتشجيع الجماهير للإداء بأصواتهم، لكن من دون مشاريع تذكر.
وانتقد الاعلامي المعروف هونر احمد الحزبين الكوردستانيين الرئيسين، وقال: لدى الديمقراطي الكوردستاني 15 مؤسسة اعلامية في دهوك وقاعدته الجماهيرية كاسحة، فيما ليس لديه أي مؤسسة اعلامية في كركوك التي تعيش حالة خاصة وحساسة من حيث الصراع على الهوية، وتعامل الاتحاد الوطني ليس بأفضل حيال هذه المدينة الحساسة لجهة دعم هويتها الكوردستانية، هناك مشاريع اسكان ومشاريع استثمارية من دون تخطيط لا تصب في صالح المواطن الكوردي، بل تعد ادامة لسياسات التعريب التي نفذتها سلطات النظام السابق، الأحزاب الكوردستانية تستخدم الضغوط التي تمارسها بغداد ضد الكورد لحصد الأصوات لا غير، نحن لم نعالج الجراح، طيب ما الذي جناه الكورد من مقاطعة جلسات مجلس المحافظة؟ هناك مزايدات كثيرة على حساب القضية الكوردية.
الشاعرة والناشطة النسوية سيران شوان يشهد لها بمواقفها الشجاعة ابان عهد النظام السابق حين سهلت، ضمن حدود صلاحياتها كموظفة في القطاع العام، اجراءات منح وثائق الشؤون الشخصية للناجين من حملات الأنفال سيئة الصيت، حضرت الندوة وقالت: وردتنا خطابات رسمية من بغداد شددت على منع استخدام اللغة الكوردية في المدارس والدوائر الحكومية في كركوك، وكذلك منع اطلاق الأسماء الكوردية على الأطفال بعد حملات الانفال. اوصى مجلس القضاء الاعلى في حينه بافتتاح محكمة خاصة داخل محكمة كركوك للأحوال الشخصية لمعالجة امور الناجين من ذوي ضحايا الانفال، نظرا لكونهم من سكان ريف كركوك وعانوا الحصار العسكري والاقتصادي علاوة على الحضر الاداري طوال سنين طويلة، وكذلك تعرضت قراهم للحرق والتدمير وحرقت أو نهبت كافة ممتلكاتهم، لذلك كانوا لا يمتلكون أية أوراق ثبوتية، هذه المحكمة الخاصة التي افتتحت بناء على أمر من مجلس القضاء الأعلى، نسّبت لمعالجة مسألة منح الأوراق الشخصية الثبوتية لهؤلاء الناس الناجين من حملات الانفال. الأوامر كانت مشددة تقضي بعدم التحدث معهم باللغة الكوردية وهم لا يجيدون غيرها. بحسب الأوامر التي وردتنا، تم تسجيل كافة الأفراد الذين تم اعتقالهم عسفا من قبل القوات العراقية دون أي ذنب كمفقودين، وقد اعتقلوا فقط بسبب خلفية انتمائهم القومي أثناء حملات الأنفال، وبعد مرور أربعة اعوام جاءتنا تعليمات أكدت اصدار أوامر تحويل كافة المفقودين وهم بعشرات الآلاف الى موتى وتثبت ذلك في السجلات المدنية.
وتابعت الشاعرة والناشطة سيران شوان: رفعت دعوى ضدي بحجة انني أصدرت شهادة وفاة لأحد أفراد المخربين (والمخرب مصطلح أطلقته سلطات البعث بحق البيشمركة) وتم احالتي للمحكمة، لقد قالوا لي بكل صلافة، بأن الكورد جميعهم مخربين، وقلت اثناء المحاكمة للسيد القاضي، انا اعتمدت على قرار صادر من محكمة ونفذت حكما قضائيا لا غير، فهل باستطاعة موظف ان يرد أمر قضائي ولا ينفذه؟
التدريسي في إحدى المدارس الكوردية في كركوك، ياسر عادل كاكيي قال في آخر مداخلة في الندوة: لدي مقترح أراه مناسبا لتوحيد البيت الكوردي، من المهم توحيد صفوف القوى الكوردية ضمن نطاق جبهة، الصراع الحزبي البيني داخل البيت الكوردي ألحق المزيد من الأضرار بنا وأهدرنا الكثير من الفرص وخسرنا الكثير من المناصب بسببه، وبالنتيجة تولى الآخرون هذه المناصب التي هي استحقاقات لنا. الإجراءات التي انجزت فيما يتعلق بتطبيق المادة 140 جرت من خلال سوء الاستفادة منها، نحن لم نعمل من أجل كركوك، بل التهينا بالصراع الحزبي والبيني، حقيقة نحن انشغلنا بأمور جانبية تاركين صلب الموضوع للقدر، وهذا الأمر أضرّنا كثيرا.
