رسالة إعتذار من مواطن سوري عربي إلى الزعيم الكوردي مسعود بارزاني
عبد الله رحال
هناك اعتذارات لا تُكتب لأن صاحبها هُزم… بل لأنها انتصارٌ للحقيقة على الكبرياء.
سيادة الزعيم الكوردي مسعود بارزاني…
أكتب إليكم اليوم، وأنا أشعر بثقل كلماتٍ قلتها بحقكم في سنوات مضت. كلمات خرجت من رجلٍ كان يظن أنه يدافع عن وطنه بكل ما يملك من عاطفة وغضب واندفاع.
لم أكن أختلف معكم لأنكم أكراد، ولم يكن اعتراضي يومًا على شعبٍ أكنّ له كل الاحترام والمحبة. كنت أعتقد، في تلك المرحلة، أنني أدافع عن سوريا كما كنت أفهمها آنذاك.
لكن الإنسان الذي لا يراجع نفسه، لا يستحق أن يتحدث عن الحقيقة.
اليوم، وبعد ما رأيته من لغة الحوار، ومن الرسائل التي حملتها زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق، شعرت أنني لا أشاهد زيارة بروتوكولية عابرة، بل ثمرة مدرسةٍ سياسيةٍ عُرفت بالحكمة وطول النفس. وقد رأيت في الرئيس نيجيرفان بارزاني امتدادًا لهذه المدرسة، وحاملًا لنهجٍ يقوم على الحوار وبناء الجسور والسعي إلى الاستقرار.
وفي المقابل، لا يسعني إلا أن أُثني على حكمة الرئيس أحمد الشرع، الذي قدّم استقبالًا حمل رسائل احترام وانفتاح، وأدار هذا اللقاء بعقلية رجل دولة يدرك أن مستقبل المنطقة يُبنى بالشراكات، وأن الاقتصاد والاستقرار والحوار ليست شعارات، بل أدوات لصناعة المستقبل.
حين يجتمع رجالٌ يحملون هذه الرؤية، تصبح المصافحة أكثر من صورة، وتصبح الزيارة أكثر من بروتوكول، وتتحول السياسة إلى فرصةٍ حقيقية لفتح أبواب جديدة أمام الشعوب.
عندها شعرت أن من واجبي الأخلاقي أن أتوقف، وأن أقول كلمة ربما تأخرت سنوات.
أعتذر لكم.
أعتذر إن كانت كلماتي قد ظلمتكم.
وأعتذر لأنني لم أكن أرى الصورة كاملة.
لقد اكتشفت أن الحكمة قد تكون أحيانًا أقوى من الصراخ، وأن بناء الجسور يحتاج رجالًا أكبر من حسابات اللحظة.
لقد سمعت كثيرًا عن تسامحكم، وعن نهجكم في الحوار، وعن حرصكم على أن تبقى جسور التواصل مفتوحة. واليوم، وأنا أرى صفحة جديدة تُكتب بين سوريا وإقليم كوردستان العراق، أجد نفسي أمام لحظة مراجعة لا لحظة مكابرة.
وأقولها أيضًا لإخوتي الأكراد في سوريا…
ربما اختلفنا يومًا، وربما اشتدت الخصومة، لكن الوطن الحقيقي هو الذي يمنح أبناءه الشجاعة ليعترفوا إذا أخطؤوا، وليفتحوا صفحة جديدة إذا سنحت الفرصة.
إذا كانت سوريا الجديدة تُبنى على الشراكة والاحترام المتبادل، فأنا أريد أن أكون جزءًا من هذه الصفحة، لا أسيرًا لصفحات الأمس.
سيادة الزعيم الكوردي مسعود بارزاني…
أتمنى أن تتقبلوا اعتذار رجلٍ كان يظن أنه يدافع عن وطنه، ثم اكتشف أن الدفاع عن الوطن لا يكتمل إلا بالدفاع عن كرامة جميع أبنائه، وبالقدرة على الاعتراف عندما تستحق الحقيقة ذلك.
احترامي لكم اليوم نابع من مراجعة صادقة، لا من مجاملة، بل من تقديرٍ لتجربةٍ سياسيةٍ أرى أنها تركت أثرًا واضحًا في ترسيخ الحوار، وفي إعداد جيلٍ من القيادات يسعى إلى الاستقرار وبناء العلاقات.
والأوطان العظيمة لا يبنيها الذين لا يخطئون، بل الذين يمتلكون الشجاعة للاعتراف بأخطائهم عندما تتضح لهم الحقيقة.
من قلبٍ راجع نفسه… إلى قلبٍ احترمته أكثر مع الزمن،

گولان میدیا