المواطنة لا تُفرض بالقوة بل تُبنى بالعدالة
طيب زرار شيرواني
شهدت الساحة السياسية العراقية ومنابر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة نقاشاً واسعاً حول مفهوم المواطنة والانتماء الوطني، خصوصاً بعد ظهور مواقف لبعض الرياضيين والشخصيات الكوردية، وحتى بعض المواطنين، الذين امتنعوا عن رفع العلم العراقي أو التصوير معه، واكتفوا برفع علم إقليم كوردستان في مناسبات وطنية ورياضية وغيرها. وقد أثارت هذه المواقف جدلاً بين من اعتبرها تعبيراً عن موقف سياسي أو تاريخي، وبين من رأى فيها ابتعاداً عن الهوية الوطنية العراقية.
إن فهم هذه القضية يتطلب النظر إلى جذورها التاريخية وعدم الاكتفاء بالحكم على النتائج. فقد مرت العلاقة بين الدولة العراقية والكورد بمحطات مؤلمة، حيث طالب الكورد بحقوقهم، فقوبلوا في كثير من الأحيان بالقمع والعنف من قبل الحكومات المتعاقبة. وقد قدم الكورد عشرات الآلاف من التضحيات خلال نضالهم، كما شهدوا حملات إبادة جماعية في عهد النظام البعثي السابق، من أبرزها حملات الأنفال، وقصف حلبجة بالأسلحة الكيميائية، وتدمير آلاف القرى الكوردية، فضلاً عن سياسات التهميش والاضطهاد التي تعرض لها المواطنون الكورد خلال مراحل مختلفة من تاريخ العراق. وقد تركت هذه الأحداث آثاراً عميقة في الذاكرة الجماعية للكثير من الكورد، ما جعل بعضهم يشعر بالاغتراب تجاه الدولة العراقية أو يتردد في التعبير عن انتمائه إليها.
ومع ذلك، فإن بناء المواطنة الحقيقية لا يتحقق عبر الاتهامات المتبادلة أو فرض المشاعر الوطنية بالقوة، بل من خلال ترسيخ العدالة والمساواة واحترام الحقوق. فالمواطن يشعر بالانتماء إلى وطنه عندما يلمس أن حقوقه مصانة، وأن لغته وثقافته وهويته محترمة، وأنه شريك حقيقي في إدارة الدولة وصناعة مستقبلها.
كما أن شعور بعض الكورد بالابتعاد عن الهوية العراقية لا يرتبط بالماضي وحده، بل يتأثر أيضاً بالخلافات السياسية والمالية التي استمرت خلال السنوات الأخيرة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان. فالكثير من المواطنين الكورد يرون أن تأخر إرسال المستحقات المالية ورواتب الموظفين، والخلافات المتعلقة بحصة الإقليم من الموازنة، وعدم صرف بعض المستحقات الخاصة بالمزارعين والفلاحين، قد انعكست سلباً على حياتهم اليومية ومستوى معيشتهم. ومن وجهة نظرهم، فإن هذه الإشكالات أسهمت في إضعاف الثقة بين المواطن الكوردي ومؤسسات الدولة العراقية، وعززت الشعور بأن الشراكة الوطنية ما زالت بحاجة إلى خطوات عملية تضمن العدالة والمساواة بين جميع العراقيين.
وإذا أراد العراق تعزيز شعور جميع مكوناته بالانتماء الوطني، فعليه أن يواصل ترسيخ مبادئ الدستور، وأن يضمن الحقوق القومية واللغوية والإدارية لجميع المواطنين دون تمييز، وأن يعمل على بناء جسور الثقة بين بغداد وأربيل، وبين مختلف مكونات المجتمع العراقي. فالوطن القوي ليس ذلك الذي يطالب أبناءه بالولاء فقط، بل الذي يمنحهم أسباباً حقيقية للافتخار بالانتماء إليه.
إن العراق، بتاريخه وحضارته وتنوعه القومي والديني والثقافي، قادر على أن يكون وطناً جامعاً للجميع، شريطة أن تقوم العلاقة بين الدولة ومواطنيها على العدالة والشراكة والاحترام المتبادل. وعندما يشعر كل مواطن، عربياً كان أم كوردياً أم من أي مكون آخر، بأنه متساوٍ في الحقوق والواجبات، فإن المواطنة ستتحول إلى شعور طبيعي راسخ، لا إلى مطلب يُفرض بالقوة أو شعار يُرفع في المناسبات.
