• Thursday, 23 April 2026
logo

نبذة عن الصحافة الكوردية

نبذة عن الصحافة الكوردية

طارق كاريزي

كانت البادرة الأولى من قبل الأمير مقداد مدحت بدرخان، سليل آل بدرخان أمراء بوتان، حين أصدر عام 1898 صحيفة (كردستان). عبّر الاسم عن تطلعات تتماشى كورديا مع طموحات متوازية سعت اليها منظمة الاتحاد والترقي التي تبنت تتريك الدولة العثمانية واستبدال الهوية الدينية للإمبراطورية بالهوية القومية، وبذلك دب الطموح القومي بين أقوام ورعايا الدولة. ومنذ ذلك التاريخ تحولت الصحافة الكوردية انطلاقا من القاهرة الى جزء من حراك الكورد ثقافيا وسياسيا، وتواصلت هذه الصحافة في عواصم الجوار (اسطنبول، بغداد، طهران، دمشق) وضمن نطاق جغرافي يمتد ما بين بغداد واسطنبول، دمشق وطهران، أرمينيا وخراسان، وبعد توفر عدة الحرفة ومستلزماتها، تحولت عشرات المدن الكوردستانية الى روافد للصحافة والاعلام الكورديين. وقد شهدت مسيرة الصحافة الكوردية مراحل عدة بين الانتعاش والتراجع، تبعا لظروف الشعب الكوردي في أجزاء كوردستان والبلدان التي تتقاسم جغرافية وطنهم. حملت الصحافة الكوردية عبأ مضافا الى جانب رسالتها الاعلامية والثقافية، فقد تصدت لمهمة الحفاظ على اللغة الكوردية حيّة تتماشى مع متطلبات العصر، وايضا قناة للتعبير عن طموحات وتطلعات الشعب والمعارضة الكوردية التي فجّرت سيلا من الانتفاضات والثورات المتواصلة. وتصدى كبار رواد الصحافة الكوردية لمهام الحرفة من باب الحرص والشعور بالمسؤولية، متحملين أعبائها دون دعم أو تمويل. وتلقى القراء الكورد بمزيد من اللهفة الإصدارات الصحفية من باب تعبيرها عن همومهم وتطلعاتهم، حيث استجابت القنوات الاعلامية المختلفة لما تراودهم من أحلام انسانية حرموا منها بسبب المخطط السياسي الذي فرضته القوى العظمي ومازالت تحميه وتدافع عنه بالضد من التطلعات الكوردية العادلة. هناك تطابق فريد بين الوضع السياسي الذي يعيشه الشعب الكوردي في وطنه المجزأ والصحافة الكوردية، هذه الصحافة فريدة في نضالها وتواصلها ومنجزاتها، بالشكل الذي يوازي المسعى النضالي للكورد. فهي في كل من العراق وايران وتركيا وسوريا وارمينيا والمهجر، تتمتع بخصوصيات تتعلق بالظرف السياسي للأمة الكوردية، وهناك المزيد من المحطات التي شهدت فيها الصحافة الانتعاش، تبعتها حالات من النكوص والتراجع نتيجة التضييق والمنع حد التجريم. المرحلة الأكثر اشراقا في تاريخ الصحافة الكوردية كانت بعد انتفاضة عام 1991 في كوردستان العراق، الحرية والدعم الذي قدمته القوى السياسية للصحافة وتاليا توفر المطابع الحديثة، وبموازاتها القنوات الاعلامية الحديثة، أدت الى ثورة في عالم الصحافة والاعلام الكورديين، من مؤشراتها صدور أكثر من (6) آلاف جريدة ومجلة خلال ثلاثة عقود، مع تأسيس عشرات محطات الراديو والتلفزيون وأخيرا الفضائيات والمواقع الالكترونية. ونشهد في غضون السنين الأخيرة نموّا في قطاع الصحافة والاعلام في كافة أجزاء كوردستان، لكن اقليم كوردستان يعد حتى الآن المحور والمركز بفضل تظافر عدة عوامل كانت السند لتطور الاعلام والصحافة في الإقليم، ولدينا حاليا جيش من الصحفيين والاعلاميين والقنوات الاعلامية والمؤسسات الصحفية في كوردستان العراق، ونقابة صحفيي كوردستان عضو في الاتحاد الدولي للصحفيين. يجدر أكاديميا مناقشة مصطلحات مثل الصحافة الكوردية والصحافة الكوردستانية، وهما مصطلحان متوازيان مكملان للبعض، ولكل منهما أبعاده ودلالته الخاصة. وتتميز الصحافة الكوردية بالتعددية اللغوية، القسط الأعظم منها كوردية اللغة، واستعان الكورد بلغات شعوب الجوار (العربية، التركية، الفارسية) في الصحافة والمؤسسات الاعلامية التي اتخذوها منابر لمخاطبة الآخر، سعيا منهم لإدامة جسور الحوار والتواصل والتعايش الحضاري المثمر بين شعوب وأمم الشرق الأوسط، ورفع عوامل القهر والعسف والتمييز السلبي بين الثقافات واللغات، انطلاقا من واقع منح السيادة لشعوب وحرم شعوبا أخرى منها وفي مقدمتهم الكورد، هذا الحرمان يبقى العامل المحرض الأكبر وجدانيا لتواصل الصحافة وتحصنها في خندق الدفاع عن وجود ثقافي وحضاري يعاني التهميش القاتل من الجوار. واليوم يعد إقليم كوردستان مركز ثقل الصحافة والاعلام الكورديين، ثلاثية الحرّية والامكانات المالية واللوجستية المتاحة، هي الأرضية المعطاءة في الإقليم والتي أثمرت عن طيف واسع من القنوات الاعلامية (المقروءة، المسموعة، المرئية، الالكترونية) التي تستحق الكثير من التقدير والتبجيل، وأيضا تستحمل سيل من الملاحظات من حيث الإداء والحرفية والخطاب، وبالمجمل لا كمال الاّ للبارئ تعالى، وما سعينا سوى للقول والإبلاغ، وان وجد زوغان في الاعلام والصحافة الكورديتين، حريّ بنا الاحتماء بمظلة النقد ومراجعة الذات والأداء.

 

 

 

 

Top