مدى ضرورة بناء رؤية مستقبلية لشعبنا الكوردي
كامران الصالحي
لقد آن الأوان ان نطرح تساؤل مشروع عن ماهية الرؤية المستقبلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ننشدها لمجتمعنا الكوردي ونطمح في ترجمتها الى الواقع ان هذه المسألة الحيوية تحتاج الى ان تأخذ حيزاً واسعاً من دراسات وبحوث وتحليلات النخبة الواعية المثقفة للكورد. وعلى هذه النخبة ان تدرك ان التوصل الى رؤية مشتركة تحتاج الى جهد فكري متواصل وان تستمد من تحليل الظروف الراهنة والموضوعية والتحديات المصيرية التي تحيط بمجتمعنا الكوردستاني. لذا من الضروري ان تتبنى هذه النخبة تحليل نقدي جرئ وان تستخلص العبر من الاخفاقات والتجارب الماضية بدلاً من التركيز على اطروحات نظرية مجردة او الاعتماد على سياسة المراهنات او التغني بأمجاد الماضي او المبالغة او سياسة جلد النفس والتباكي على عدم الاستفادة من الظروف السابقة.
ان محور القضية التي نجابهها اليوم هي النضال من اجل بناء واقع يعبر عن طموح وارادة شعبنا الكوردي يتجسد في اقامة مجتمع متضامن موحد يتمتع بالحرية والعدالة والمساواة، مجتمع يملك خطاب سياسي واضح حول المستقبل السياسي لكيان الاقليم ومؤسساته.
ان مجرد وضع اطار شامل للرؤية المستقبلية غير كاف بحد ذاته اذ لابد من التوصل الى كيفية تحقيق ذلك من خلال توظيف عناصر البناء الثقافي والسياسي والاجتماعي مع توفير الوعي الوطني المدرك لأهمية الرؤية المستقبلية بغية انتاج المعرفة الضرورية وتوفير ادوات البناء المنهجي المتماسك. وهنا لابد من تأسيس وتفعيل مؤسسات ثقافية اكاديمية وجعلها جزء من ثقافتنا القومية لمواجهة حالات الجمود الفكري وحالات التخلف التي تنفي دور العقل والعلم والمعرفة وتحاول قمع كل فكر ومعارض لها سواء في الدين والسياسة أو الثقافة والأخلاق.
لا يكفي ان نقر بوجود معضلات وبأشكال ومستويات متباينة بل من الضروري جعلها موضع بحث وتحليل من لدن كل المفكرين الكورد فتلك مهمة جماعية لتجاوزها وطرح الأفضل والارقى ومن خلال الأقرار بهذه المعضلات. ومن ثم البحث عن ومعالجتها مع الأقرار بتباين الآراء واحترام الرأي الآخر والمعارض وإجراء حوار على أسس من العقلانية والمنطق وتجاوز الأنزواء والتأطر في قوالب فكرية جامدة حيث لا يؤدي ذلك الى بناء رؤية مستقبلية لتحقيق اصلاحات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية تخدم المجتمع الكوردستاني وتدعم مؤسساته.
وهنا مما لاشك فيه ان جذور الكثير من المعضلات التي نجابهها اليوم ترجع الى تلك الفترات الحالكة التي شهدتها كوردستان بسبب السلطات التي تعاقبت على الحكم في العراق اذ ان تعاملها مع شعبنا الكوردي بالتعسف والعنف والقمع ادت الى ايجاد اغتراب بين السلطة والمجتمع واصبحت السلطة في وعي كل انسان كوردي مناضل رمز للاستبداد والطغيان . ورغم بدء مرحلة جديدة مع الانتفاضة وتوجه الاحزاب الكوردستانية الى بناء ركائز للديمقراطية وازالة البنى السياسية والنقابية للأنظمة السابقة الا ان بروز ظاهرة الصراعات السياسية لم تفتح المجال لتصحيح الحياة السياسية وتطهيرها من ادران الشوائب والتخلف وبالتالي لم يتم تطبيق نهج ديمقراطي متكامل ولم يتم بناء الرؤية المستقبلية المنشودة.
وبما اننا نعيش اليوم في كوردستان حالة من الممارسة الديمقراطية حيث يتوفر الكثير من العوامل والامكانيات لتوسيع القاعدة الديمقراطية وبالتالي هناك امكانية لطرح برامج واطروحات عملية لخدمة المجتمع الكوردستاني فأن من واجب النخبة الثقافية الوطنية الكوردستانية والتي تعيش حياة متفاعلة مع اوضاع المجتمع وتشعر بآلامها وتعي مشاكلها اليوم ان تطرح برنامج تدعو فيه الاحزاب الكوردستانية الى تجنب مظاهر الاستعلاء في مخاطبة الجماهير وتجنب الاستئثار بالعمل السياسي أو اعتبار الحزب منظمة سلطوية اذ ان ذلك لا ينسجم مع التقاليد النضالية التي ترسخت في الحركة القومية الكوردية ولاسيما منذ ثورة ايلول عام 1961، ولا سيما أن جميع الاحزاب والمنظمات الكوردستانية تدرك ان الفكر القومي الديمقراطي الأنساني (كوردايتي) قد ترسخ كمنهج وطني في مدرسة الحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة البارزاني الخالد.
ان اغلب التيارات والمنظمات السياسية الكوردستانية قد ولدت من رحم هذه المدرسة، لذا لابد من تجسيد التقاليد النضالية في العلاقات الرفاقية بين هذه الاحزاب وفي عملها السياسي من اجل خدمة شعب كوردستان وفي علاقاتها مع الاحزاب الديمقراطية والقوى العراقية والوطنية والليبرالية والعربية والغربية من الضروري ان تتبنى النخبة السياسية الكوردستانية في رؤيتها المستقبلية ضرورة ديمومة عملية الاصلاح السياسي ومحاربة الفساد وتفعيل اداء مؤسسات الاقليم وتوحيد الخطاب السياسي وتبني الحوار واقامة حكومة ائتلافية خدمية وعدم تدخل الاحزاب في شؤون المؤسسات الحكومية واحترام استقلال القضاء وطرح خطاب موحد حول المسائل المصيرية كضرورة موضوعية ملحة لمعالجة الاختلالات التي ترافق عملية تثبيت الممارسة الديمقراطية وبناء سلطة سياسية قوية ومتماسكة.
ولابد ان تتضمن هذه الرؤية وضع اسس لتوسيع القاعدة الاجتماعية لنظام الحكم وتخلي الاحزاب والتيارات السياسية الكوردستانية عن المعايير الحزبية والشخصية الضيقة في اسناد الوظائف والمواقع السياسية والادارية والمالية الحساسة والمهمة وان يتم الاعتماد على معايير الكفاءة والاخلاص والتخصص والخبرة مع تفعيل مؤسسات النزاهة لرصد العناصر الفاسدة والاستمرار في عمليات التطهير المستمر لأجهزة الاحزاب والمؤسسات الحكومية، اذ لا يمكن
بناء سلطة ديمقراطية من دون مؤسسات فاعلة تمارس دورها لخدمة الشعب وتحترم القوانين واستقلالية القضاء وتمنح دوراً لمنظمات المجتمع المدني وتحترم حرية الرأي والرأي المعارض.
كما لابد من الانفتاح على الاحزاب العراقية وتبني سياسة الحوار وتوحيد المواقف في القضايا المصيرية المشتركة والتمسك بتطبيق الدستور لكل المشاكل العالقة وكذلك من الضروري انشاء علاقات حميمة مع فئات المجتمع المدني سواء في اقليم كوردستان او عموم العراق.
واخيراً فان الرؤية المستقبلية لشعبنا الكوردستاني يجب ان تجمع بين الهوية الوطنية والعمق الكوردايتي وبين ممارسة السياسة في ضوء المسؤولية التاريخية لحماية منجزات شعبنا في الاقليم. كما على جميع الاحزاب الكوردستانية ان تتبنى لغة الحوار لا لغة الصراعات مع ضرورة العمل على امتلاك شبكة واسعة من العلاقات الوطنية والدولية لجعل الاقليم دوماً عامل استقرار بعيداً عن الصراعات الاقليمية والدولية.

گولان میدیا